وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

من القلب إلى كل القلوب: أَشْعِرْ قَلْبَك الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّة(*)


سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)


إنّ الحديث عن طبيعة العلاقة التي يريدها الله سبحانه وتعالى بين المسؤول والذين يتولّى أمرهم مسألة مهمّة، سواء كان المسؤول نبيّاً، أو وليّاً، أو إماماً، أو خليفةً، أو حاكماً، أو رئيساً، أو وزيراً، أو مديراً... إلى أن نصل إلى المستويات المتدنّية إداريّاً وتنظيميّاً، والتي تتضمّن مسؤوليّة إدارة شؤون الناس أو مجموعة منهم، وقيادتهم. فالمسؤول يتحمّل مسؤوليّة أموالهم إذا كان العمل تجاريّاً، أو مسؤوليّة معرفتهم وعلمهم إذا كان العمل تعليميّاً، أو مسؤوليّة أخلاقهم إذا كان العمل تربويّاً، أو مسؤوليّة دمائهم إذا كان العمل عسكريّاً أو أمنيّاً... إلخ.
والسؤال المهمّ هو ما طبيعة العلاقة المطلوبة بين الرئيس والمرؤوس؟

* مسؤوليّة نظم الأمر
دعا الإسلام إلى نظم الأمر. فعن أمير المؤمنين عليه السلام -في وصيّته لولدَيه الإمامَين الحسن والحسين عليهما السلام- قال: "أوصيكما... بتقوى الله ونظم أمركم"(1). والله سبحانه قد خلق الكون على أساس نظامٍ حكيمٍ دقيقٍ جدّاً وبالغ الدقّة، وإلّا لو لم يكن كذلك لما أمكن الوصول إلى كلّ هذا التطور العلميّ، وما كان ليستمرّ أيضاً لو لم يكن كذلك. إذاً، في القيادة والإدارة أيضاً يريد الله سبحانه وتعالى طاعةً ومسؤوليّةً وانضباطاً. لكن ما الذي يريده في العلاقة بين الطرفين؟

* في العلاقة بين المدير والعاملين
توجد أنواع من العلاقة والإطاعة بين المدير والعاملين المسؤول عنهم، هي:
1- الإطاعة خوفاً
يطيع بعض الناس مديرهم، ويلتزمون بالقانون والنظام، وينضبطون، ويقومون بالوظائف الموكلة إليهم من موقع الخوف والخشية من الإجراءات العقابيّة؛ كأن يطردهم من وظيفتهم، أو أن يقتطع من رواتبهم.

2- الإطاعة طمعاً
ويوجد نوعٌ آخر من العلاقة مبنيٌّ على الطمع؛ بمعنى أنّ هذا المدير يشجّع العاملين، فيرى الإنجازات ويهتمّ بها. فإذا قام العاملون بوظائفهم، وكانوا مطيعين، وأنجزوا، وأبدعوا، فإنّ المدير سيوسع امتيازاتهم، وسيزيد من احترامهم... إلخ. لذا، فإنّهم يطيعونه طمعاً.

3- الإطاعة حبّاً
ثمّة نوعٌ ثالثٌ من العلاقة يتجاوز علاقة الخوف أو الطمع، وهو الإطاعة حبّاً؛ نتيجة مميّزات الشخص المسؤول، كأخلاقه، وتواضعه، ورحمته، ولين جانبه، واهتمامه بهؤلاء العاملين، فيتسامح معهم حيث يمكن التسامح وتربطهم به علاقة احترام ومودّة شديدة. ولذلك، تراهم لا يهتمّون كثيراً بالإجراءات التي يقوم بها في حقهم، أو الامتيازات التي يمنحهم إيّاها، بل يهمّهم أكثر أن يكون سعيداً بهم، وأن لا يغضب أو يحزن منهم؛ فتكون علاقتهم علاقة جيّدة، طيّبة ومحترمة...
ولا يمنع أن تقوم العلاقة في مستوى من المستويات على الأنواع الثلاثة: الخوف والطمع والحبّ، كعلاقة كثيرٍ من الناس بالله، لكن لا شكّ في أنّ أرقى مستوى من العلاقة هو علاقة الحبّ والمودّة والاحترام.

* هكذا تكون العلاقة بالله
يريد الله سبحانه وتعالى للعلاقة بينه وبين عباده أن تكون مبنيّة على قاعدة ﴿يحبهم ويحبّونه﴾ (المائدة: 54). ولذلك هو يحبّ التوابين، ويحب المتّقين... وفي المقابل يريد سبحانه من عباده أن يحبّوه، وأن تكون علاقتهم به قائمة على أساس الحبّ وليس الطمع أو الخوف. إنّ علاقة بعض الناس بالله قائمة على الخوف من جهنّم، ولولا ذلك لما أطاعوه، كما أنّ علاقة بعضهم قائمة على الطمع بالجنّة، فلو لم توجد الجنّة لما أطاعوه، فيما علاقة غيرهم قائمة على الحبّ؛ لأنّهم يعرفونه، ويعرفون نعمه وجوده وفضله عليهم في كلّ شيء، ويعرفون عظمته وحكمته ورأفته وجبروته وقدرته وقوّته وعلمه وغناه وكماله وجماله...إلخ؛ فلذلك هم يحبوّنه.

* علاقة مبنيّة على الحبّ

وفي العودة إلى المسؤوليّة، يريد الله للعلاقة القائمة بين المسؤول أو القائد أو الإمام أو المدير، وبين الأشخاص الذين يتحمّل مسؤوليّتهم أن تكون أيضاً علاقة حبّ وتقدير من الطرفين. وهذا أمرٌ أساسيّ. ومع الأسف لا توجد في عالم الإدارة اليوم نظريّة إداريّة متطوّرة تعتبر العلاقة العاطفيّة العميقة والقويّة بين المدير والعاملين شرطاً من شروط النجاح والإبداع والإنجاز الكبير؛ لأنّ هذه العلاقة هي التي تأتي بالإيثار والفداء، وتأتي بمستوى من التضحيات، وتأتي بعملٍ وتعبٍ بلا كللٍ أو مللٍ، وتأتي بما لا تأتي به الإدارة المبنيّة على الروابط الماليّة والإداريّة والوظيفيّة.

* ما ينبغي في المسؤول
ثمّة صفات عدّة ينبغي أن تكون موجودة في كلّ مسؤول، نذكرها بشكل إجماليّ:
يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معروفاً بحبّه للمؤمنين، وبحبّه للناس ولخَلق الله عموماً، وكان يجهد في هدايتهم وإنقاذهم وإخراجهم من الضلالة والجهالة، حتّى إنّه صلى الله عليه وآله وسلم أجهد نفسه إلى حدّ أنّ الله سبحانه وتعالى خاطبه بأنْ "خفّف عن نفسك"؛ إذ ليس مطلوباً منه صلى الله عليه وآله وسلم أن تذهب نفسُه حسراتٍ وحزناً عليهم(2)، وعلى ضلالتهم، وعلى غوايتهم، وعلى جحودهم. هكذا كان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه هي توجيهات الأنبياء السابقين عليهم السلام، وتوجيهات قرآننا، وتوجيهات أئمّتنا عليهم السلام.

* عهد الإمام عليّ عليه السلام في القيادة والإدارة
وممّا أوصى به الإمام علي عليه السلام -وهو مدرسة في القيادة والإدارة وتحمّل المسؤوليّة- في عهده لمالك الأشتر حينما ولّاه مصر:
1- "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ"(3). فالقائد أو المسؤول -مهما كان توصيفه (قائد كتيبة، قائد فصيل، قائد لواء، قائد فرقة، قائد فيلق أو مدير أو غير ذلك)- يجب أن يتحلّى بالرحمة تجاه المسؤول عنهم، فهم ليسوا أناساً يحقّ له استغلالهم وتسخيرهم، بل هم أُناس قُدِّر له أن يكون مسؤولاً عنهم للقيام بمهمّة أو وظيفة، ولتحقيق هدفٍ ما، ولإنجاز أعمال معيّنة، فلا يمكن أن تكون العلاقة بهم علاقة ماديّة خالية من الشعور والرحمة والودّ، كالعلاقة بالآلات، مثل الحاسوب، أو التلفزيون، أو الهاتف. كما أنّ قوله عليه السلام: "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ" يشمل كلّ الرعية، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. فطالما أنّك مسؤول، عليك أن تُشعر قلبك الرحمة للرعيّة.
2- "وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ". فالمسؤول يجب أن يكون ذا قلبٍ محبّ، بل ويسعى لأن يُوجد هذا الحبّ.
3- "وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ". فعلى المسؤول أن يتعامل بلطف مع المسؤول عنهم، لا أنْ يكون كالسبع الضاري الذي يتربّص بهم ليعاقبهم عند أي خطأ أو زللٍ قد يصدر عنهم.
4- "فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ". هذه التوجيهات من الإمام علي عليه السلام أوسع من الدائرة الدينيّة أو الطائفيّة أو المذهبيّة. فعلى المسؤول أن يكون كذلك مع المسؤول عنهم بمعزلٍ عن دينهم أو انتمائهم، كما ذكرنا.
هذا هو نوع العلاقة المطلوبة من القائد والمسؤول. كما أنّ هذه الرحمة والرأفة واللطف والحبّ تستلزم تواضع المسؤول للمسؤول عنهم، والقرب منهم، والتشاور معهم، حتّى لو كان المسؤول ذا فكر وقّاد. فالله سبحانه يخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم -الذي علمه من الله سبحانه وتعالى، وعلمه يصيب الواقع- موصياً إيّاه في ما يخصّ العلاقة بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين المسلمين في بعض الأمور: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)؛ إذ عندما يشاور المسؤول المسؤول عنهم، ويتواضع لهم، ويكون قريباً منهم، ويسمع لهم، ويتحدّث معهم، سوف تكون النتائج مختلفة تماماً.

* مسؤوليّتنا كأفراد
على الأفراد أن يُبادلوا قادتهم ومسؤوليهم الشعور نفسه، بأن تكون علاقتهم بهم مبنيّة على العطف والحبّ والودّ. ولذلك أُمرنا بأن نحبّ أنبياء الله سبحانه وتعالى. وهذا الأمر الإلهيّ أمرٌ إرشاديٌّ إلى ما تقتضيه الفطرة الإنسانيّة؛ أي أنّ الإنسان بفطرته وطبيعته يحبّ المُنعم عليه، حتى لو لم يوجد أمرٌ إلهيّ بحبّ المُنعم. فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام هم نعمة الله الكبرى علينا؛ لأنّ بهم كانت هدايتنا، وبهم كانت نجاتنا، وسيرنا على الصراط المستقيم، وإخراجنا من الظلمات إلى النور. فالمطلوب منّا أن نحبّهم، وأن تقوم هذه العلاقة بيننا وبينهم.


(*) الليلة التاسعة من شهر محرّم 1439هـ/ 29 أيلول 2017م.
1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص76.
2- إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر: 8).
3- نهج البلاغة، (م.س)، ص83.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع