نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

شباب: السيّدة..


ديما جمعة فوّاز


جمعتْ بقايا الصحن المكسور بيدٍ مرتجفة، بينما كانت تسترق النظر إلى باب الغرفة، وأخفته في كيسٍ أسود تحت ملابسها الرثّة في الجارور.. ثمّ أسرعت لإتمام عملها.
لم تكن "رافي" تُدرك سبب غضب السيّدة الدائم منها، فهي تسعى لأداء واجباتها على أفضل وجه، تقوم قبل استيقاظ الجميع، تنظّف البيت ثمّ تحضر الفطور للصغار. هي تعمل دون تأفف، وفي حال شعرتْ بألم فهي تشير للسيّدة بإمكانيّة إعطائها حبة دواء لتكمل أداء واجباتها دون أن تحظى براحة.

كلّ ليلة، تنام "رافي" وهي تُخفي دموعها، لأنّ السيّدة تغضب في حال عرفت أنّها تبكي، لا تغضب تأثّراً إنما تأففاً! فـ"رافي"، عند وصولها إلى لبنان، كانت دوماً تبكي شوقاً إلى أهلها في بنغلادش، وكانت السيّدة تنهرها متوعّدة في حال استمرّت بما تسمّيه "نكداً"؛ لذلك هي تكتفي بمسح دمعتها حين تتذكّر منزلها ووالدتها وإخوتها، وخاصة شقيقتها المريضة "رانو"، فهي لم تتجاوز السابعة من عمرها وتشكو من نقص في النمو.. ولكن لا شأن للسيّدة بمشاكلها، فأعباء هذا المنزل كثيرة..

دائماً تبدو السيدة غاضبة من ضغوط الحياة وقلّة النقود، على الرغم من أنّ أثاث المنزل فاخر، وفي البراد طعام وفير، فما هي حال السيدة لو أمضت ليلة واحدة في منزل "رافي" القرويّ حيث ينام أفراده جياعاً! خاطرة دوماً تتكرّر في ذهنها فتكتم ضحكتها!
كما أنّ السيّدة دوماً حزينة، فزوجها يضطرّ إلى السفر؛ ما يجعلها تتحمّل مسؤوليّة المنزل، فتكرّر أنّها مرهقة.. مسكينة السيدة، تتذمّر من أولادها الأربعة ومن إزعاجهم ودروسهم ومتاعبهم؛ فهي دوماً تتحرّك في أنحاء المنزل ممسكة بهاتفها لتضحك وحدها، وتتكلم، وتحزن دون أن يعرف أحد السبب.. وفي حال طُرق باب المنزل تصيح غاضبة: افتحي الباب "رافي" بسرعة! فتضع "رافي" الأواني المتّسخة في المجلى وتغسل يديها لتركض وتفتحه.

مسكينة السيّدة، لا تدرك أنّ ابنتها ليال تخبّئ الحلويات تحت وسادتها لتتناولها مساءً على الرغم من أنّها تشكو من البدانة، ولا تعرف أنّ علاء يدّعي الدرس بينما يلهو على "الآيباد"، وأنّ سارة تأخذ دواءً للصداع بشكل مستمرّ دون علم والدتها، وأنّ الصغيرة "رنا" صارت تعرف أن تعدّ حتّى الرقم عشرة.. فهي دوماً مشغولة بذاك الهاتف وتحاول أن تحلّ مشاكلها من خلاله..
مسكينة السيّدة، لا تدرك كيف يمكن لـ"رافي"، على الرغم من بقائها في المطبخ، أن تلعب دوراً حيويّاً في حياة الجميع، ومع ذلك لا أحد في هذا المنزل يقدّرها، والجميع يسخر منها، وهم يجاهرون بالانزعاج منها في حال تناولت طعامها أمامهم، ويقولون إنّها "مقرفة"، حتّى إنّهم ينهرون الطفلة "رنا" إذا قبّلتها أو حضنتها. وفي حال ظهر على محيّاها الغضب تلكزها ليال، فهما الاثنتان لم تتجاوزا العشرين من العمر، صائحة: "إياكِ أنْ تتحوّلي إلى بومة"!

أنهت رافي عملها، كما كلّ ليلة، ولكنّها هذه المرّة لم تتوجّه مباشرة إلى الأريكة حيث تنام في المطبخ، إنّما فتحت باب المنزل بهدوءٍ شديد ونزلت الدرج لتضعَ كيساً أسود عند مدخل البناية ثم هرعت نحو المنزل مرتعبة من أن يفتقدها أحدهم. وقفت لثوان تلتقط أنفاسها هامسةً: "يا ربّ، دع السيّدة ترضى عن عملي ولا تدعها تفتقد ذاك الصحن الذي كسرته دون انتباه فتعاقبني.. يا رب!".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع