لماذا لا يُشجع العلماء على استئصال اللوزتين؟ كيف يهدّد الهاتف بصرك؟ كبسولات النوم في مطارات أوروبا فيتامين يخلّصك من دهون البطن إلى الأبد خبر سارّ للكرة الأرضيّة الوحدة قاتلة بالفعل! المضادات الحيويّة تزيد مخاطر حصوات الكلى الزيتون يكافح السرطان مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!!

من صدق نجا

الشيخ موسى خشّاب


تُفاجئنا بين الحين والآخر "أسئلة مُحرجة" تكون الإجابة عنها بصدق محرجةً أيضاً: هل أعجبكَ الطعام؟ ما رأيكَ في مقالتي؟ هل أزعجكَ الأمر الفلانيّ؟ هل أتيتُ في وقت غير مناسب؟
وتفادياً لهذا الإحراج يلجأ بعضهم إلى المجاملة والكذب: لقد كان الطعام شهيّاً جدّاً، إنّها من المقالات النادرة التي قرأتُها، أنا لا أنزعج منك أبداً، على الرحب والسَّعة، لا عمل لديّ في هذا الوقت... معتبرين الكذب منقذاً لهم من المواقف المُحرجة والوقوع في المتاعب!


ثمّ إنّه لا يختلف اثنان في أنّ الصدق قيمة إنسانيّة ودينيّة، يقدّرها الإنسان كما يقدّر الوفاء والأمانة، ولكن ماذا لو كان الصدق مسبّباً للإحراج ومتعارضاً مع المصلحة الشخصيّة وموقعاً في المشاكل؟ ألا يحقّ للإنسان أن يكذب؟ وهل يمكن أن تدوم الصداقات والعلاقات بلا مجاملات؟ وماذا يحلّ بالحياة الأسريّة لو لم يستخدم الرجال مِلحهم الخاصّ كما يسمّونه؟ ألا يكون الكذب طريقاً للهروب من الإحراجات والمشاكل، فيما يكون الصدق سبباً في الوقوع في المتاعب، بل والخصومات والنزاعات؟ فكيف يكون الصدق منجياً والكذب مهلكاً؟! هذا ما سنوضّحه في هذه المقالة.

* اتّبعْ ما فيه نجاتُك
الإنسان مفطور بطبيعته على تجنُّب ما يرى فيه هلاكَه، وعلى اتّباع ما يرى فيه نجاته. والقناعة الراسخة بكون الصدق سبباً في نجاة الإنسان دائماً، والكذب سبباً في هلاكه، تفرض عليه اجتناب الكذب واتّباع الصدق.

* الصدق ومصير الإنسان
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "تحرّوا الصدق وإن رأيتم أنّ فيه الهلكة فإنّ فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإن رأيتم أنّ فيه النجاة فإنّ فيه الهلكة"(1). يمكن فهم النجاة والهلاك في هذا الحديث الشريف على مستوى الآخرة، وعلى مستوى الدنيا أيضاً، كالآتي:
1- في الآخرة: ما المُنجي وما المُهلك؟
تختلف الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة من وجوه. وأحد تلك الاختلافات أنّ جملة من الأسباب التي تجري في الدنيا لا تجري في الآخرة، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166). فالمال مثلاً ينفع في الدنيا وكذلك الأبناء، ولكن هذه الأمور لا تنفع يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ (الشعراء: 88). وبالتالي، فإنّ نجاة الإنسان في الآخرة تعتمد على الإيمان ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾ (طه: 75). إذاً، الإيمان والعمل الصالح هما رأس مال الإنسان الوحيد في الآخرة. وخطورة الكذب في كونه يسلب الإنسان رأس ماله في الآخرة. ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "إنّ الكِذْبَ هُوَ خَرَابُ الإِيمانِ"(2)، بل إنّه يحرم الإنسان من تذوُّق طعم الإيمان، كما قالَ أميرُ المؤمنين عليه السلام: "لاَ يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيمانِ حَتّى يَتْرُكَ الكِذْبَ هَزْلَهُ وَجِدَّهُ"(3). بل أكثر من ذلك؛ فإنّ الكذب لا يجتمع مع الإيمان. فعن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام: "سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: يَكُونُ المؤمِنُ جَبَاناً؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ وَيَكُونُ بَخيلاً؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: ويَكُونُ كَذَّاباً؟ قال: لا"(4).
وعلى هذا الأساس، فلو فرضنا أنّ في الكذب نفعاً دنيويّاً، فإنّه لا يُقارَن بالضرر الأخرويّ. والمؤمن لا يضحّي بآخرته من أجل دنياه؛ فإنّ "شرّ الناس من باع آخرته بدنياه"(5)، بل يُؤثر آخرته على دنياه، كما قال الإمام علي عليه السلام: "إنّ من حقيقة الإيمان أن يؤثر العبد الصدق حيث يضرّ على الكذب حيث ينفع"(6).

2- في الدنيا: الصدق أولى لبناء حياة الإنسان أم الكذب؟

لا غنى للإنسان عن الحياة الاجتماعيّة القائمة على المصالح المشتركة والمتبادلة بينه وبين سائر أبناء مجتمعه. كما ويحتاج الإنسان إلى أن يكون مقبولاً بين أقرانه ومحترماً عندهم؛ ما يُحتِّم عليه حيازة صفات عدّة إنِ انتفت يصبح الإنسان مرفوضاً، بل ومنبوذاً بين الناس. ومن بين تلك الصفات:
- المروءة: وهي صفة تُطلق على مَن يتمتّع بمحاسن الأخلاق، التي بامتلاكها يحظى الإنسان بالاحترام والتقدير بين الناس، وبضعفها أو فقدها يقلّ احترام الناس له. وبما أنّ أقلّ الناس مروءةً في المجتمع هو الكاذب، فإنّه يكون أقلّ الناس تقديراً واحتراماً عندهم، فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقلّ الناس مروةً مَن كان كاذباً"(7).
- البهاء: نوعٌ من الجمال الممزوج بالهيبة، يفرض نوعاً من الاحترام من قِبل الآخرين. والكذب أحد الأمور التي تُذهب بهيبة الإنسان، وتؤدّي إلى أن يجترئ الناس عليه، فعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال عيسى ابن مريم عليه السلام: من كثُر كذبه ذهب بهاؤه"(8).
- الثقة: إن كان الصدق يعزِّز الثقة بالإنسان، فإنّ الكذب يزيل تلك الثقة. وإذا فقد الإنسان هذه الثقة، ينفر الناس منه، ويبتعدون عنه في معاملاتهم وغيرها. ولذلك، يصعب على الإنسان أن يعيش في محيط لا يثق به مَن حوله، فيلجأ إلى التعامل مع أشخاص لا يعرفونه كي يستمرّ في حياته الاجتماعيّة. ومن أخطر آثار الكذب في الدنيا أنّه يُفقد الإنسان ثقة الناس به، ويؤدّي إلى اشتهاره بالمكر والحيلة والغدر.

* الصدق نجاة دائمة
قد يُطرح سؤال: إنّ وقوع الكاذب في المتاعب قضية واضحة، ولكن ألَا يقع الصادق أيضاً في المتاعب والحرج، وربّما الضرر؟
والجواب: تصوّر أنّك واقف أمام طريقين، الأوّل بدايته خالية من الأشواك والصخور، ولكن باقي الطريق غير واضح، وله تشعّبات كثيرة، والثاني بدايته مليئة بالأشواك والصخور، ومعالمه واضحة، وتشعّباته قليلة، وموصل إلى المقصد. عندها، لا شكّ في أنّ العاقل يسلك الطريق الثاني؛ لأنّ الإنسان بطبيعته يفكّر في النجاة الدائمة، ويفضّلها على النجاة الآنيّة. والطريق الأوّل يمثّل الصدق، بينما الطريق الثاني يمثِّل الكذب، فأيَّ الطريقين تختار؟

* الصدق يُنجي النفس من المعاصي
أتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلٌ، فقال: إنّي رجل لا أصلّي، وأنا أزني وأكذب، فمن أي شيء أتوب؟! قال: "من الكذب". فاستقبله فعهد أن لا يكذب، فلما انصرف وأراد الزنا قال في نفسه: إن قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل زنيت بعدما عاهدت؟ فإن قلت: لا، كذبت، وإن قلت: نعم، يضربني الحدّ، فتاب من تلك الثلاثة(9).
تبيّن لنا هذه القصة الأثر الكبير والفعّال للصدق في تخليص الإنسان من الرذائل والمعاصي. لذلك، في الصدق نجاةٌ كبيرة.

* لا يستقيم إيمانُه حتّى يستقيم لسانُه
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه"(10).
ترسم لنا هذه الرواية الشريفة الطريق الذي يجب أن نسلكه للوصول إلى النجاة الحقيقيّة، والتي هي استقامة الإيمان، والتي بدورها لن تتحقّق من دون استقامة القلب، والقلب لن يستقيم من دون استقامة اللّسان! فاللّسان أوّلاً، والقلب ثانياً، والإيمان ثالثاً. ولكن كيف يصلح القلب بصلاح اللّسان ويستقيم باستقامته؟

حتّى تتضح هذه المعادلة لا بدّ من أن نوضّح ثلاثة أمور:
- أبعاد وجود الإنسان: للإنسان ظاهر وهو البدن، وباطن وهو النفس، وما يعبّر عن البعد الظاهريّ هو الجوارح والعمل، وما يعبّر عن البعد الباطنيّ هو القلب والإيمان. وهذان البعدان مترابطان؛ إذ الظاهر يؤثّر في الباطن، فالعمل الصالح يصلح القلب، والعمل السيّئ يخربه، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ( فاطر: 10).
- محوريّة اللّسان: يُعتبر اللّسان أحد الجوارح التي تمّ التأكيد على ضبطها؛ وذلك أنّ ضبط اللّسان أصعب من ضبط بقيّة الجوارح. وبالتالي، فمن يضبط لسانه يكون أقدر على ضبط جوارحه، وعند ذلك ينفتح الطريق لصلاح قلبه.
- محوريّة الصدق: إنّ أهمّ فضيلة يمكن أن تجري عبر اللّسان هي الصدق، وإنّ أعظم معصية تصدر عن اللّسان هي الكذب، كما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أعظم الخطايا اللّسان الكذوب"(11). فمن يكون صادقاً فقد صلح لسانه، وإذا صلح لسانه صلح عمله، وإذا صلح عمله صلح قلبه وإيمانه الذي هو سبب نجاته.

* نصيحة: قلِّل أخطاءك.. يزدد صدقك
إنّ معالجة الأسباب الموقعة في الكذب تساعد الإنسان بشكل كبير على التخلّص منه، فقد يكذب التاجر بهدف الترويج لبضاعته، والتلميذ خوفاً من العقاب، والعامل هرباً من المحاسبة، والإعلام من أجل تضليل الرأي العام، والمسؤول كي لا يخسر جمهوره... وغيرها من الحالات! ولكن ممّا لا شك فيه أنّ أحد أهمّ أسباب الكذب هو تفادي الوقوع في الإحراج! وبما أنّ الإحراج سبب أساس من أسباب الكذب، فمن المفيد أن نسأل عن الأسباب التي تُحرج الإنسان. من الأمور التي تحرج الإنسان قيامه بتصرّف غير لائق أمام الآخرين، من قبيل التقصير المتكرّر للعامل مع ربّ العمل، الناتج عن التأخّر عن دوام العمل، وبالتالي التأخّر عن إنجازه في الوقت المحدّد، أو كإحراج الابن مع والده الناتج عن تراجع مستواه الدراسيّ، أو كإحراج الصديق مع صديقه في بعض المواقف وغير ذلك.
وعليه، إذا قلّت تلك الأخطاء، فسوف يقلّ الإحراج، وسوف يقلّ الكذب تبعاً له. ومن الخطأ الاستمرار في الكذب ريثما نتخلّص من تلك الأخطاء؛ إذ الاستمرار في الكذب سوف يوقعنا في الأخطاء أكثر فأكثر ليس إلّا!

ختاماً، فلنتأمّل في ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمل أهل الجنّة وأهل النار؛ لنعرف كيف يكون الصدق مفتاح الخيرات: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنّة؟ قال: "الصدق. إذا صدق العبد برّ، وإذا برّ آمن، وإذا آمن دخل الجنّة". قال: يا رسول الله، وما عمل أهل النار، قال: "الكذب. إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار"(12).


1- مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا، ص51.
2- الوافي، الفيض الكاشانيّ، ج5، ص928.
3- (م.ن)، ص927.
4-وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج12، ص246.
5- الوافي، (م.س)، ج26، ص169.
6- مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج8، ص456.
7-(م.ن)، ج9، ص87.
8-الكافي، الكلينيّ، ج2، ص341.
9-وسائل الشيعة، (م.ن)، ج3، ص202.
10-نهج البلاغة، خطب الامام علي عليه السلام، ج2، ص95.
11-مستدرك الوسائل، (م.ن)، ج9، ص85.
12- جامع أحاديث الشيعة، البروجرديّ، ج13، ص564.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع