ورق جدران يحذّر من الحريق! لبنانيّ يحصل على 71 مليون دولار من "فورد" سبب غير متوقَّع للموت المبكر! رقاقة إلكترونيّة لاستعادة الذكريات خبر خاص بمشجعي الفرق الرياضية الطلاق خطر يهدّد صحّة الدماغ! لا تسلّوا أطفالكم بهواتفكم! عقوبات صينيّة لأصحاب السلوك السيِّىء عصائر الفاكهة "قاتلة" ما هي فائدة "تخزين النوم"؟

ما هي صفات الولي الفقيه؟


الشيخ د.أكرم بركات


يمثّل منصب "الوليّ الفقيه" موقعاً هامّاً في زمان غيبة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، بحيث ينوب عنه في تدبير وإدراة شؤون الأمة.
ومن الواضح، أنّ هذا المنصب الخطير لا يصلح له أيّ فرد من أفراد الأمّة، بل ولا أيّ فقيه من الفقهاء، إلّا أن توجد فيه صفات خاصّة تؤهّله للتصدّي له.


وهذه الصفات هي بشكل رئيسيّ: العلم بالقانون، والعدالة، والكفاءة. في هذا المقال عرضٌ لها بشيء من التفصيل:

* الصفة الأولى: العلم بالقانون
من الأمور البديهيّة أنّ الحاكم الذي يحكم باسم الإسلام؛ أي بموجب القوانين الإسلاميّة، لا بدَّ من أن يكون مطّلعاً على هذه القوانين؛ إذ كيف يحكم بدون هذا الاطّلاع؟!

واطّلاع الحاكم يكون بإحدى وسيلتين:
الأولى: الفقاهة والاجتهاد، بأن يكون الحاكم نفسه قادراً على استنباط واستخراج الأحكام الشرعيّة.
الثانية: التقليد، بأن يعتمد في معرفة تلك القوانين على أحد الفقهاء.

* الفقاهة في النصّ الدينيّ

بغضّ النظر عن الدليل العقليّ ومدى صحّة دلالته على شرط الفقاهة في الوليّ(1)، فإنّ النصوص الدينيّة أفادت شرطيَّة الفقاهة فيه، ونعرض منها:

1- مكاتبة إسحاق بن يعقوب: "أمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا". فالتعبير برواة الحديث يفيد كونهم فقهاء؛ لأنّ كون الإنسان راوياً للحديث لا يُعطيه مزيّة أن يكون حجّة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف على الناس، ولا سيّما أنّ هناك رواة لا يفقهون ما يحفظونه من روايات، وبتعبير بعض النصوص: "رُبّ حامل فقه، لا فقه له"(2). وعليه، لا بدّ، مضافاً إلى روايته للأحاديث، من أن يكون فقيهاً بها، لتكون له تلك المزيّة.

2- مقبولة عمر بن حنظلة التي فيها: "فينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً"(3).

إنَّ هذا الحديث أوضح من سابقه من جهة كون الحاكم الوليّ فقيهاً، فهو، مضافاً إلى كونه راوياً للحديث، فإنَّه ينظر في الحلال والحرام، ويعرف الأحكام؛ أي له نظرة في ذلك، من خلالها يعرف الأحكام الشرعيّة، وهذه هي الفقاهة.

* الصفة الثانية: العدالة
لكي يؤتمَن الفقيه على تطبيق الأحكام الشرعيّة على مواردها بالشكل الصحيح الخالي من النوازع الذاتيّة، والمصالح الشخصيّة، لا بدّ من أن يكون عادلاً. وبتعبير الإمام الخمينيّ قدس سره: "فالحاكم إذا لم يكن عادلاً؛ فإنّه لا يؤمَن أن يخون الأمانة، ويحمل نفسه وذريّته وآله على رقاب الناس"(4).

والعدالة بحسب تعريف الإمام الخمينيّ قدس سره في كتاب التقليد: "مَلَكة راسخة باعثة على ملازمة التقوى، من ترك المحرّمات، وفعل الواجبات"(5).

وقد دلَّت على شرطيَّة العدالة في الوليّ روايات عدّة، منها:
1- عن محمّد بن مسلم، قال: "سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: والله، يا محمّد، من أصبح من هذه الأمّة لا إمام له من الله عزّ وجلّ، ظاهر، عادل، أصبح ضالّاً تائهاً"(6).

2- عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنّه قال: "وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين: البخيل؛ فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل؛ فيضلّهم بجهله، ولا الجافي؛ فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول؛ فيتّخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم؛ فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسُنَّة فيُهلك الأمّة"(7).

3- وعنه عليه السلام أيضاً في نهج البلاغة: "ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً"(8).

4- عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أنَّه قال في حضور معاوية: "أمّا الخليفة، فمن سار بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعمل بطاعة الله عزّ وجلّ، وليس الخليفة من سار بالجَور"(9).

5- عن الإمام الحسين عليه السلام في جوابه لكتب أهل الكوفة إليه: "فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله"(10).

* الصفة الثالثة: الكفاءة

من البديهيّ عند العقلاء اشتراط الكفاءة في الوليّ الحاكم، بمعنى القدرة التي تحتاج إليها قيادة الأمّة وإدارة شؤون البلاد. وهذا الشرط لا يحتاج إلى نصٍّ، بعد وضوح عقلائيّته، ومع ذلك ورد في النصوص ما يشير إليه، منها:
1- عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تصلح الإمامة إلّا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي، حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم"(11).

2- عن الإمام الرضا عليه السلام: "والإمام عالم لا يجهل، ورع لا ينكل(12)... نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة..."(13).

3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من حسُنت سياسته وجبت طاعته"(14).

4- وعنه عليه السلام: "من أحسن الكفاية استحقَّ الولاية"(15).

* الوليّ الأكمل مقدَّم
إنَّ الصفات السابقة للوليّ قد توجَد في غير فقيه، فهل تتخيّر الأمّة في اختيار من شاءت منهم، أو إنّ المتعيّن بينهم هو الأكمل والأفضل فيهم؟

تفيد جملة من الروايات أنّ الوليّ يجب أن يكون الأكمل بينهم، ونعرض منها ما يأتي:
1- عن الإمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة: "أيّها الناس، إنّ أحقَّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه..." (16).

2- عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ولّت أمّة قطّ أمرها رجلاً، وفيهم أعلم منه، إلّا لم يزل يذهب أمرهم سفالاً حتّى يرجعوا إلى ما تركوا"(17).

3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أفينبغي أن يكون الخليفة على الأمّة إلّا أعلمهم بكتاب الله وسنّة نبيّه، وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى (يونس: 35)، وقال: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ(البقرة: 247)، وقال: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ (الأحقاف: 4)" (18).

4- عن الإمام عليّ عليه السلام في بيان صفات الإمام: "وأمّا اللواتي في صفات ذاته، فإنّه يجب أن يكون أزهد الناس، وأعلم الناس، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وما يتبع ذلك لعلل تقتضيه... وأمّا إذا لم يكن عالماً بجميع ما فرضه الله تعالى في كتابه وغيره، قلّب الفرائض، فأحلّ ما حرّم الله، فضلّ وأضلّ(...) والثاني: أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وضروب أحكامه، وأمره ونهيه، وجميع ما يحتاج إليه الناس، فيحتاج الناس إليه، ويستغني عنهم"(19).

5- عن أمير المؤمنين عليه السلام بعدما طلبوا منه البيعة لأبي بكر: "أنا أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيّاً وميّتاً، وأنا وصيّه، ووزيره، ومستودع سرّه وعلمه، وأنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، أوّل من آمن به وصدّقه، وأحسنكم بلاءً في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسُنّة، وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأمور، وأذربكم(20) لساناً، وأثبتكم جناناً"(21).

6- عن الإمام الصادق عليه السلام: "وانظروا لأنفسكم، فوالله، إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها يخرجه، ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها"(22).
يلاحظ في هذه الرواية أنّها تُرجع تقديم الأكمل إلى سيرة العقلاء، فتكون الرواية إرشاديّة إلى هذا الأمر العقلائيّ.

* كيف نحدّد الأكمل بين الفقهاء؟
ذكر الفقهاء، بناءً على الأدلّة الشرعيّة، أنّ من الوسائل الشرعيّة لصحّة تقليد الفقيه المرجع الاعتماد على البيِّنة التي تشهد بأعلميَّته؛ أي شهادة عالمَين من أهل الفضل العلميّ بذلك. وعليه، فإذا اعتمد أحدُ المؤمنين على بيِّنة أفادت بأعلميَّة مرجع ما، واعتمد آخرون على بيِّنة أخرى بأعلميَّة غيره، فلا بأس في ذلك، ولا ضرر حاصلٌ منه عادة؛ لأنَّ التقليد يطال العلاقات الفرديّة بالله عزّ وجلّ أو بالآخرين وبشكل جزئيّ ومحدود.

وهذا الأمر لا ينطبق على العلاقة بالوليّ الفقيه، الذي تكون أحكامه عامّة للأمّة ولا تتعلّق عادةً بالفرد، وعليه، فإنّ تعدّد الوليّ في المجتمع قد يؤدّي إلى نزاعٍ، وبالتالي إلى فساد.

بناءً على ما تقدّم، إنّ الاطمئنان بكون المجتهد هو الفقيه الأكمل، ليُتَّبع على أنَّه الوليّ الفقيه، لا تكفي فيه البيِّنة، بل ولا يكفي فيه الاطمئنان الشخصيّ، بل لا بدّ من حصول اطمئنان نوعيّ، وهذا يحتاج إلى عددٍ كبير من أهل الفضل والخبرة يفيدون أنَّه الأكمل والأكفأ بين الفقهاء لمنصب الوليّ الفقيه.

من هنا، ابتكر الإمام الخمينيّ قدس سره آليّة تنظيميّة لـ"مأسسة" ولاية الفقيه وهي مجلس الخبراء المؤلّف اليوم من 86 عالماً من أهل الخبرة، على أن تكون النتيجة الإيجابيّة في تحديد الأكمل بين الفقهاء في الأصوات التي تزيد على 50%، ومن الواضح أنّ عدد 44 وما فوق يفيد اطمئناناً نوعيّاً في الأمّة، بل أقلّ منه بكثير يفيد ذلك.


1.انظر: ولاية الفقيه بين البداهة والاختلاف، أكرم بركات، ص95.
2.مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، ص183.
3.الكافي، الكليني، ج1، ص67.
4.الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني قدس سره ص51.
5.تحرير الوسيلة، الإمام الخميني قدس سره ج1، ص12.
6.الكافي، (م.س)، ج1، ص184.
7.نهج البلاغة، الإمام عليّ عليه السلام، ج2، ص14.
8.(م.ن)، ج3، ص120.
9.الاحتجاج، الطبرسي، ج1، ص419.
10.بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص334.
11.الكافي، (م.س)، ج1، ص407.
12.أي: لا يجبن.
13.الكافي، (م.س)، ج1، ص202.
14.عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص431.
15.(م.ن)، ص439.
16.نهج البلاغة، (م.س)، ج2، ص82.
17.الاحتجاج، (م.س)، ج1، ص219.
18.بحار الأنوار، (م.س)، ج31، ص417.
19.(م.ن)، ج90، ص44 (صدر الحديث)، وص64 (ذيل الحديث).
20.الذرب: الحادّ من كلّ شيء. (لسان العرب، ابن منظور، ج1، ص385).
21.الاحتجاج، (م.س)، ج1، ص95.
22.الكافي، (م.س)، ج8، ص264.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع