نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

السيادة الشعبيّة الدينيّة في فكر الإمام القائد دام ظله(*)


الشيخ د. أحمد الواعظي


شكّل انتصار الثورة الإسلامية بداية جديدة في مجال الفكر السياسي الديني الإسلامي. هذه هي المرّة الأولى التي يتأسّس فيها نظام من بين الأنظمة الحاكمة، يعترف بالحاكميّة الإلهيّة الدينيّة إلى جانب الحاكميّة الشعبيّة، ويجعل الأحكام الإسلامية هي المرجع والحاكم في النظام التشريعيّ والتنفيذيّ والقضائيّ، ويُدرج ذلك في قانونه الدستوريّ. وفي الوقت عينه يقوم الناس بتوزيع السلطة السياسيّة وعمليّة اتخاذ القرارات ووضع القوانين. المقال الذي بين أيدينا موجز لأهمّ النقاط التي تشكّل رؤية الإمام القائد دام ظله في شرح نظريّة السيادة الشعبيّة الدينيّة وأوجه امتيازها من أقسام الديمقراطيّة الأخرى، وبالأخصّ الليبراليّة الديمقراطيّة.


* السيادة الشعبيّة الدينيّة
السيادة الشعبيّة الدينيّة التي يريدها الإمام القائد دام ظله هي المركّبة من "الجمهوريّة" و"الإسلاميّة"، مع التأكيد على أنّ هذا التركيب ليس شكليّاً وصوَريّاً، بل هو "تركيب ذاتيّ"، بمعنى أنّ جذوره تعود إلى التعاليم الدينيّة الإسلاميّة. وبالتالي، فهو ليس اختياراً وانتخاباً وليس عقداً اجتماعيّاً محضاً. فالسيادة الشعبيّة الدينيّة والتركيب الذاتي بين "الجمهوريّة" و"الإسلامية" عبارة عن حقيقة تؤدّي إلى صيانة واستمرار وثبات النظام الإسلامي(1).

فإنّ موقع الشعب في النظام الشعبي الدينيّ أرفع وأعلى من مجرّد الحضور في الانتخابات. فالشعبيّة الدينيّة ليست غاية وهدفاً للجمهوريّة الإسلاميّة، بل هي التي تتبلور في الجمهورية الإسلاميّة، "فإنّ أهداف وغايات هذا الاختيار يجب أن يرسمها الإسلام لنا"(2).

* مبادئ السيادة الشعبيّة الدينيّة
تعتمد السيادة الشعبيّة الدينيّة على مبادئ وأسس نظريّة خاصّة. في ما يلي نشير إلى بعض منها باختصار:

1- قبول الولاية الإلهيّة:
إنّ النظام المُبتنى على السيادة الشعبيّة الدينيّة يقوم على أساس الإسلام والأحكام الإسلاميّة التي تشكّل مرجعاً له.
فإنّ الولاية الإلهيّة على الإنسان وحقّ ربوبيّة الله تعالى هي من المبادئ الأساسيّة للحكومة الشعبية الدينية؛ فلا ولاية لأيّ إنسان على آخر إلّا لمن أعطاه الله تعالى الولاية، أو من أذن له في أن يكون وليّاً، وذلك بعد تحقّق الأهليّة والصلاحية في الوليّ؛ أي العدالة والتقوى.

2- كون الإنسان المكلّف مختاراً:
فإنّ الرؤية للإنسان في الإسلام تقوم على أساس أنّ الأفراد مسؤولون ومكلّفون أمام الله تعالى، وهو يعني أنّه على الإنسان الموحّد والمسلم أن يعتبر الحضور في الساحة السياسيّة والالتحاق بالحركات الاجتماعيّة والسياسيّة أداءٌ للتكليف الإلهيّ. وعليه؛ تقدّمُ الناس نحو تأسيس السيادة الشعبية الدينيّة ليس مجرّد السعي لإحقاق الحق، بل هو من باب أداء التكليف الإلهي.

3- المشروعية الإلهيّة إلى جانب المقبوليّة الشعبيّة:
عندما نتحدّث عن بحث المشروعيّة، يتبادر عادة سؤال أساسيّ وهو: من هم الأشخاص الذين يحقّ لهم الحكم؟ وأيّ الحكومات مفترضة الطاعة؟ بناءً على ذلك، فإنّ مشروعيّة الحكومة تعني حقّانيّتها وتوجيه وإعمال سلطة الأمر والنهي فيها. ومن وجهة نظر الإمام الخامنئي دام ظله، إنّ النظام الإسلامي منتسب إلى الولاية الإلهيّة، فإذا تأسّست حكومة على أساس الشروط والخصائص التي وصفها الإسلام للحاكم في المجتمع الإسلاميّ (وأهمّها العدالة والتقوى)، تمتلك تلك الحكومة المشروعيّة.

وإذا كانت مشروعية السلطة السياسيّة ذات منشأ إلهيّ في الإسلام، فهذا لا يمنع من وجود مكانة هامّة للناس ولاختيارهم؛ فإنّ اختيار الناس شرط أساسي في فعاليّة الحكومة الإسلاميّة. وقد بيّن الإمام الخامنئي دام ظله ذلك حيث يقول: "...إنّ رأي الناس وحده لا يشكّل أساس مشروعية الحكومة، وإنما أساس المشروعيّة يعود إلى التقوى والعدالة، مع العلم أنّ التقوى والعدالة لا أثر لهما إذا كانا من دون مقبوليّة الناس واختيارهم..."(3).

* بين الحكومة الدينيّة والديمقراطية

مما لا شكّ فيه أنّ الديمقراطيّة اليوم تتمتّع بمقبوليّة واسعة، باعتبارها أسلوباً لحلّ النزاعات السياسيّة والاجتماعيّة في أكثر الأنظمة السياسيّة الحاليّة، حتّى إنّنا قلّما نجد دولة لا تعترف بشكل رسميّ بالديمقراطيّة الحاليّة. ولكن للحكومة الشعبية الدينيّة، من وجهة نظر الإمام الخامنئي دام ظله، خصائص تميّزها عن غيرها:

1- عدم حاكميّة المال والإعلام:
إنّ الديمقراطيّات المعاصرة هي ساحة منافسة بين المجموعات الاقتصاديّة صاحبة النفوذ، التي تشكّل الدعامة الخلفيّة للأحزاب السياسيّة، حيث الاستفادة من سلطة الإعلام والمبالغ الماليّة الضخمة التي تُصرف على الإعلام الانتخابيّ، وهو ما يمكّنها من الإمساك بقدرة الناس الانتخابية وإدارة آرائهم. في المقابل، نظام السيادة الشعبيّة الدينيّة ليس نظاماً تحكمه الأموال والرساميل لتوجيه آراء الناس في الاتجاه الذي تريده.

في الحقيقة، إنّ الناس ليسوا هم الحاكمين في الديمقراطيات المعاصرة، ولا مجال للحديث عن "حكومة الأكثرية" على الإطلاق؛ فإنّ السلطة السياسيّة تتناوب عليها مجموعـــــات عدّة من النُخب السيـــاسيّة والاقتصاديّــــة والتي هي الأقليّة. وأمّا الشعب فما هو إلّا وسيلة يتمّ استخدامها لانتقال السلطة بين تلك الأقليات الحاكمة.

2- حكومة المعنويات:
لا مجال في الديمقراطيّات الرائجة للحديث عن بعض الأمور، كالأخلاق والدين والمعنويات وأمثالها. فكما أنّ الحكومة بعيدة ومنفصلة عن المذهب والدين، فهي كذلك غير مبالية بكل ما له علاقة بالأخلاق والمعنويّات، وهذا يخالف نظام السيادة الشعبيّة الدينيّة التي تمتلك توجّهاً نحو المعنويّات.

3- حضور الناس في الساحة السياسيّة دون واسطة:
تتبلور الإرادة السياسيّة للناس في الديمقراطيّات الغربيّة في قالب الأحزاب، فكلّ حزب عبارة عن تجميع لإرادة أصناف من أفراد المجتمع، بينما دور الأحزاب في السيادة الشعبيّة الدينيّة يظهر أضعف ممّا هو عليه في الديمقراطيّة الليبراليّة، حيث يكون للشعب حضور مباشر في الساحة السياسيّة دون واسطة الأحزاب، فالناس هم الذين يشخّصون وينتخبون.

4- الحكّام خدّام الشعب:
السيادة الشعبيّة الدينيّة ليست شيئاً يقع في مقابل الناس، بل هي لخدمة الناس، بينما ظاهر الأنظمة الغربيّة أنّها حكومة الشعب؛ إلا أنّ باطنها يعتمد على الثروة والمال.

إنّ الديمقراطيّة، وباعتبارها أسلوباً وطريقاً لحلّ النزاعات السياسيّة والاجتماعيّة والتي تعتمد على رأي الأكثريّة (بحسب زعم أربابها)، لا يمكنها أن تكون أيديولوجيا سياسيّة على الإطلاق، إذ إنّها تفتقد إلى العناصـــــر الأساسيّة للأيديولوجيا السياسيّة مثل الأهداف، والأصول، والتوصيات القيميّة، والتوجيهـــــات السياسيّة والاجتماعيّــــــة العامّة، فهي عبارة عن طريق وأسلوب لإدارة بعض شؤون المجتمع السياسيّ، أمثال اختيار بعض المديرين في المستوى العام للمجتمع، أو اختيار ممثّلي المجتمع، أو أنها أسلوب للتقنين، وأمثال ذلك.

أمّا إن أُريد من الديمقراطيّة مشاركة الناس وحضورهم في الساحة السياسيّة وفي تحديد المصير، فذلك يمكن استخراجه من داخل المفاهيم والتعاليم الإسلاميّة.

ولكن، ليس من الصحيح تلخيص السيادة الشعبيّة الدينيّة باتّباع الديمقراطيّة، لأنّ موقع الشعب في النظام الشعبيّ الدينيّ أرفع وأرقى من مجرّد الحضور في الانتخابات.

إنّ بعض نقاط الضعف، أمثال حاكميّة المال والإعلام المسيطرة على الانتخابات والتي أصيبت بها الديمقراطيّة الغربيّة، هي في الحقيقة خطر قد يُصيب أي حكومة أخرى؛ ولذا أكّد القائد دام ظله على ضرورة توفّر الرقابة المؤثّرة والحضور المؤثّر والواعي الواسع للأمّة في الساحة السياسيّة والاجتماعيّة.


(*) من كتاب "السيادة الشعبيّة الدينيّة"، إصدار دار المعارف الحكميّة، ص51-62، "بتلخيص وتصرف".
1.انظر: كلام الإمام القائد في مراسم تنفيذ حكم رئاسة الجمهورية بتاريخ 12/05/1388 هـ.ش.
2.من كلام الإمام القائد في لقاء جمع من شباب وأساتذة وطلاب محافظة همدان بتاريخ 17/04/1383هـ.ش.
3.كلام الإمام القائد في لقاء جمع من أساتذة وطلاب قزوين 26/09/1382 هـ.ش.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع