نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

الافتتاحية: خيانة الإهمال

رئيس التحرير



كما يخاطب الكفر الفقر أينما حلّ بقوله: خذني معك، كذلك هي المعادلة بين الإهمال والخيانة، فكلما توغّل المرء في إهمال واجباته دخل مباشرة خط الخيانة، وإن كان الفارق بينهما أن الأول يأتي لا عن قصد الخيانة، بينما الثاني هو نتاج عمل يأتي عن سابق الإصرار والتصميم من خلال جهات خارجية تحرّكه وتدخله في مشاريعها وهو لا يملك إلا التنفيذ والاستجابة، لكن الإهمال والتقاعس عن أداء التكاليف الإلهية أمر لا يمكن لنا أن نبرِّر فعل أصحابه ولا أن نستر عن قبح أفعالهم، واعتقد جازماً أن من جملة أسلحة الشيطان ورهاناته التي تجعله مرتاحاً بعض الشيء هو ذلك الإهمال والتواني الذي عليه مضى كثير من بني البشر فكان منهم المسوِّفون والمقصّرون والمتقاعسون والخاملون.

فالمهمل ليس من يهمل واجباته المدرسية ومتطلبات مدرسته ووظائف معلمه فحسب، بل هو من يفتر أمام الوظائف الإلهية الكبرى. وللدلالة على أهمية ما ذهبنا إليه، تعالوا نلقي الضوء على بعض الأمثلة التي تصلح أن تكون عبرة لمعتبر، فالطبيب الذي يشرف على مريضه، إن أهمل عملية العلاج وكانت النتيجة أن روح المريض فارقت الحياة، والصيدلي الذي يشخِّص الدواء على ضوء مجهولاته لا معلوماته، والمستشفى بطاقمها وكادرها الطبي حينما تتحول إلى مستشفى تشبه كل شيء إلا عالم الاستشفاء حتى لو سألت ضمير أصحابها، هل هي أقرب إلى عالم الشفاء أم إلى عالم التجارة لكان الثاني هو الجواب، والمبلغ ـ الداعية ـ إن رغب في الراحة واستأنس بها بديلاً عن وظيفته الشرعية، والمسلم المهاجر إلى أوطان شتّى حينما لا يستغل اللغة المتقنة لديه في سبيل نصرة الحق، والناظر والمشاهد لكل النشاطات المشبوهة ولا يستنفر طاقاته وجهده انتصاراً لمعتقداته الحقة، والمقيم في وطنه وهو يرى الفساد يعمّ البلاد وهو لا يتحرك، والمسؤول عن عملٍ ما سواء كانت حدود مسؤولياته منزله الصغير وعائلته أم كانت كبيرة، يجب أن يتذكر كل هؤلاء قوله تعالى ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ...

 ألا يرى معي قارئي الكريم أن كثيرين ممن ماتوا، كان السبب في أحيان كثيرة هو الإهمال. لقد كنتفي زيارة لعائلة فقيرة من قرانا المستضعفة في بلدنا ـ لبنان ـ ولما رحت أسأل عن بعض أحوالها وعن الشؤون والشجون تبين لي أن الأم توفيت منذ مدة بسبب بعض الأمراض التي عانتها ولما أخذت من جسمها مأخذاً عظيماً توفيت ـ إنها المؤودة من نوع آخر ـ ولما رحت أتبادل مع زوجها المفجوع أطراف الحديث اغرورق الدمع في عينيه وصار يدفع عن نفسه المسؤولية ويقول: "لم تكن نملك مالاً يخوِّلنا دخول المستشفيات، ولا من أحد يسأل وكأننا لسنا من أهل هذه الأرض، وأنا أخفيت الأمر عن المعنيين الحقيقيين".

وأستطيع الزعم أن مرضى لا يُستهان بهم دخلوا إلى المستشفيات ليخضعوا لعمليات جراحية، ولما كانت قلة المروّة لدى العاملين فيها هي التي تحيط بهم ولم ينتبهوا إلى أن المريض عنده حساسية من البنج مثلاً، ولما أدخل إلى العملية دخل عالم الإهمال والرحلة الأبدية التي ستشهد يوم القيامة على كل من ساهم في عملية القتل هذه، وأن الجندي المكلف بحراسة النقطة والموقع لما يهمل واجباته المقدّسة فيتوانى عن الحراسة فيستسلم للنوم تاركاً أمن رفقائه عرضة للخطر، كم يشبه بتقاعسه من ينسّق مع الأعداء ليضرب الموقع الذي عليه واجب حمايته، وأن الممرِّض المسؤول عن سلامة المرضى خصوصاً من هم في حالة الخطر، لما يهمل وظائفه كم يشبه بإهماله الذي يتسلل إلى غرفة المريض للقضاء عليه. ألا يرى القارئ الكريم كم هي حجم الحملات الشرسة التي تستهدف وجودنا وجذورنا المغروسة في الأرض؟ فلماذا لا نفوِّت على الأعداء الفرص بدل مساعدتهم بالإهمال، حينما يتمسّك كلّ منا بواجباته ويتعامل معها على أنها مقدّسة. نقول هذا ونحن على يقين بأن المهمل لا يتعمّد كل هذه المسائل، لكن هذا شيء ومجازر المهملين شيء آخر والأمثلة كثيرة، نترك الخوض في تفاصيلها لذوي الألباب.

فتعالوا نفتش عن أنفسنا في داخل وظائفنا ونبحث عن مسؤولياتنا في داخل مواقعنا لئلا تزل بنا قدم الإهمال فتردينا في مهالك لا تحمد عقباها، ولن يُتعامل معها يوم القيامة على أنها عفوي لأن الله العالم بخفايانا وأسرارنا والمطلع على السر والسرائر هو نفسه من سيحاسبنا، فأعاذنا الله من ذلك.. والسلام .


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع