إطلاق أوّل قناة تلفزيونيّة إسلاميّة في كينيا توظيف الغربان "عمّال نظافة" في شوارع هولندا! الجنود الروس ممنوعون من التقاط "السيلفي" المُحَلّيات الاصطناعية خطر يهدّد الأطفال إنتاج الكهرباء من الدموع البشرية! رائحة البلاستيك تُحاكي غذاء الأسماك قلبك سيكون كلمة السرّ! "محمد" أكثر الأسماء شعبيةً في فلسطين المحتلة مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ

تربية: يا بُنيّ: قدوتُك


الشيخ سامر توفيق عجمي(*)


يخرج الطفل من رحم أمّه خالياً من كلّ ألوان المعرفة(1)، وفاقداً لأيّ مهارة سلوكيّة، ولكن لديه قابليّة اكتسابهما بما زوَّده الله تعالى به من أدوات وميول خاصّة، منها قدرةٌ عجيبةٌ على تقليد الآخرين ومحاكاة أقوالهم وأفعالهم، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وإنّما قلب الحَدَث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته"(2).

* الأُنس بالمحسوس سمة إنسانية
يعيش الطفل في عالم الطبيعة بما فيه من كائنات ماديّة، وتبدأ بذلك رحلة تعرّفه إلى الأشياء المحيطة به بواسطة أدوات الحسّ: السمع والبصر واللمس. فنشوء الطفل في عالم الطبيعة وأوّلية المعرفة الحسيّة يجعلانه يأنس بالمحسوس، فإذا سمع كلمات تتحدّث عن معانٍ مجرّدة (كالعلم والحياة والحبّ وغيرها) يتصور ذهنه الوجود الماديّ لمفاهيمها.

ثمّ -في مرحلة متأخّرة- يشقّ الطفل طريقه نحو الإدراك العقليّ، فيتصوّر الأشياء بصيغتها شبه المجرّدة. ولكن مهما تطوّر الجهاز الإدراكيّ للطفل تبقى الحواس هي الأشدّ حضوراً في حياته، بل يمكننا القول إنّ الأنس بالمحسوس سمة عامّة في الإنسان(3).

يقول الشهيد الصدر قدس سره: "الإنسان بحسب طبيعة جهازه المعرفيّ وتكوينه النظريّ خُلق حسيّاً أكثر منه عقليّاً"(4).

* الأخلاق تُحتذى ولا تُلقّن
تأنس طبيعة الإنسان بالحسّ وتنجذب إليه. وقد استعمل القرآن الكريم أسلوب التشبيه الحسّيّ في تعليم الناس العقائد الغيبيّة، فمثلاً صوّر المعاد بتصويرات تقريبيّة حسّية(5).
ومن المنطلق نفسه، نُلاحظ أنّ الإنسان لا يتفاعل إيجاباً مع الأخلاق كقيَم نظريّة مجرّدة، بينما إذا تجسّدت في أرض الواقع حسيّاً ينجذب إليها بكلّ كيانه؛ لذا، ركّز أهل البيت عليهم السلام على الدعوة وتربية الناس بالنموذج السلوكيّ. فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليرَوا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية"(6). ولنتأمّل بدقّة بكلمة "ليرَوا"، المشتقّ من "رأى"، التي تدل هنا على النظر والإبصار بالعين.

وهذا يعني، كما يضيف الشهيد الصدر قدس سره، "أنّ الحسّ أقدر على تربية الإنسان من النظر العقليّ المجرّد، ويحتلّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتلّ العقل (المفهوم النظريّ المجرّد). بناءً على هذا، كان لا بدّ للإنسان من حسٍّ مربٍّ"(7).

وانطلاقاً من قدرة التقليد والمحاكاة عند الطفل أولاً، وتجذُّر النزعة الحسّية في جهازه الإدراكيّ ثانياً، ومؤثّرية التجسّد الحسّيّ للمعاني المجرّدة على المتلقّي ثالثاً، تُعتبر التربية بالقدوة والنموذج السلوكيّ أفضل أسلوب تربويّ للطفل.
ويبقى السؤال، من هو الشخص الذي نقدّمه للطفل على أنّه مصداق الحسّ المربّي والنموذج السلوكيّ للاقتداء به؟

* الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة الحسنة
انطلاقاً من أصولنا التربوية، نعتقد أنّ الحسّ المربّي هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21)، فالرسول هو نموذج الإنسان الكامل الذي تتجسّد فيه القيم المجرّدة، كالشجاعة والعدل والرحمة والعفو والكرم، حسيّاً في سلوكه العمليّ.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يربّي الناس بسلوكه، فيقول للناس: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي"(8)؛ لأنّ سلوكه صلى الله عليه وآله وسلم سلوك معصوم لا مجال للخطأ والسهو والنسيان فيه.

وأوّل طفل تربّى حسيّاً في ظل النمذجة السلوكيّة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الذي يصف عليه السلام ذلك بقوله: "وقد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه... وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه. وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كُنتُ أتبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به"(9).

ولكن، يطرح هنا سؤال وجيه، وهو: كيف نربّي الطفل ليقتدي سلوكيّاً برسول الله رغم غيابه صلى الله عليه وآله وسلم عن حواسّ الطفل؟

*كيف يمكن أن يكون الرسول قدوة رغم غيابه الحسّي؟

الجواب أنّه يمكن للمربّي اعتماد جملة أساليب (تعوّض) هذا الغياب الحسّي للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
أولاً: تربية المربّي ذاته على القيم النبوية. عن الإمام علي عليه السلام: "أفضل الأدب ما بدأْت به نفسك"(10).
فينبغي للأب أو الأم أو الأستاذ أو القائد الكشفيّ أو... أن يجسّد بنفسه القيم والمعاني الأخلاقية التي جسّدها رسول الله، كي يكون قدوة حسنة يُحاكيه الطفل كنموذج في أفعاله وأخلاقه وتصرّفاته.
فعن أمير المؤمنين عليه السلام، أنّه قال: "مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه، ولْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه"(11).
وتأدّب المربّي بالأخلاق الحسنة، لا يؤثّر في بناء الجانب الإيجابيّ من شخصية الطفل فقط، بل يدفعه إلى التخلّي عن القيم السلبيّة أيضاً. وهذا أحد الوجوه التي يمكن أن يحمل عليها قول أمير المؤمنين عليه السلام: "أصلح المسيء بحُسن فعالك"(12).

ثانياً: التظاهر بالقيم النبويّة أمام الطفل. ولو تنزّلنا مرتبة، وفرضنا أنّ المربّي لم يتأدّب ببعض قيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فينبغي له أن يتظاهر بتلك القيم أمام الطفل، ولا يأتي بأيّ سلوك سلبيّ أمام ناظرَيه.
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "إنّ الأطفال هم دائماً أو غالباً مع الأبوين، فلا بدّ من أن تكون تربيتهما عمليّة، بمعنى أنّنا لو فرضنا أنّ الأبوين ليسا متّصفين بالأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة فلا بدّ من أن يُظهرا في نفسيهما الصلاح أمام الطفل، ليكون الأطفال عمليّاً مهذّبين ومربّين، ولعلّ هذا بنفسه يكون مبدأ لإصلاح الأبوين؛ لأنّ المجاز قنطرة الحقيقة، والتطبّع طريق الطبع"(13).

ثالثاً: التأكيد على أن يكون مربّي الطفل مؤدّباً وعاملاً بما ينصح الطفل به ويرشده إليه. وقد كرّر الإمام الخامنئيّ دام ظله وصيّته للمعلّمين بأن يعلّموا الأخلاق بالسلوك(14) لا بالألفاظ. فعن الإمام علي عليه السلام، قال: "أصدق المقال ما نطق به لسان الحال"(15).

وهناك مسؤوليّتان: الأولى، تقع على عاتق المدارس الإسلامية أو الجمعيات الكشفية أو الأندية الرياضيّة، باختيار المعلّم والقائد والمدرّب المؤدَّب في نفسه، والعمل المستمرّ على تنمية الكادر التعليميّ والكشفيّ، والتدريبيّ، أخلاقياً وتربوياً وليس تعليمياً فقط. والثانية، على الوالديْن حُسن اختيار المعلّم أو المدرسة أو الجمعيّة الكشفيّة أو النادي الرياضيّ... الذي يعتمد المعلّمين والقادة المؤدّبين ويقدّم القيم النبوية في برامجه وأنشطته ومناهجه التعليمية والتدريبية.

يقول العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: "من شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلِّم المربِّي نفسُه متّصفاً بما يصفه للمتعلِّم، متلبّساً بما يُريد أن يلبسه، فمن المحال أن يُربّي المربِّي الجبانُ شجاعاً باسلاً، أو يتخرّج عالمٌ حرٌّ في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصّب واللجاج، وهكذا..."(16).

رابعاً: ربط الطفل بالشخصيات الإيجابية. وهي الأكثر تجسيداً لقيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتجنيبه الارتباط الانفعاليّ بالشخصيات السلبية كالفنّانين ولاعبي كرة القدم.

خامساً: تنمية حسّ معياريّة حبّ رسول الله. كميزان لتمييز القيم الموجبة والتحلّي بها والسالبة والتخلّي عنها، بمعنى تربية الطفل على عرض أيّ سلوك يريد القيام به على منهج رسول الله، فهل يحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا السلوك؟ وهل يبغض ذاك السلوك؟ فتكون محبّة الرسول للسلوك معياراً لفعل الطفل له أو تركه.

سادساً: تنمية علاقة الطفل بالقرآن الكريم. ربط الطفل بالقرآن الكريم حفظاً وقراءةً... إلخ، والتخلّق بأخلاق القرآن، فقد ورد أنّ "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان خُلقه القرآن"(17)، وكلّما ارتبط الطفل بالقرآن ارتبط بالخُلق النبويّ.

سابعاً: التربية بالحديث والرواية. أي أن نروي للطفل الأحاديث والروايات الواردة عن الرسول نفسه وأئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) والتي تنقل لنا سلوك رسول الله وأفعاله ومواقفه، وندرّبه ونمرّنه على تجسيد ذلك في حياته، فمثلاً كثيراً ما نقرأ تعبير الروايات بكلمات مثل: "كان رسول الله..."، يجلس كذا، ينظر كذا، يسلّم كذا... إلخ، ومنها مثلاً عن الإمام الباقر عليه السلام: "ألا أحكي لكم وضوء رسول الله..." ثمّ عرض كيفية وضوء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(81)... إلخ من الموارد الكثيرة التي أحصاها بعض علمائنا في كتب خاصّة، والتي تؤكّد أنّ غياب النبيّ حسيّاً لا يتنافى مع الاقتداء به.

ثامناً: التربية بالفنّ والقصة. من خلال تقديم السيرة النبوية وما تتضمّنه من مواقف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسلوكه وآدابه في قالب قصصيّ أو تلفزيونيّ وسينمائيّ.
 


(*) أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالمية- فرع لبنان وباحث تربوي.
1.يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (النحل: 78).
2.نهج البلاغة، من وصية له لولده الحسن، ص393.
3.الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج1، ص9.
4.موجز في أصول الدين، محمد باقر الصدر، تحقيق ودراسة عبد الجبار الرفاعي، ص224 - 225.
5.سورة ق، الآية 11. وسورة الروم، الآية 19. سورة فاطر، الآية 9.
6.الكافي، الكليني، ج2، ص77.
7.موجز في أصول الدين، (م.س).
8.عوالي اللآلي، ابن أبي جمهور الأحسائي، ج1، ص198.
9.نهج البلاغة، ج2، ص175.
10.ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص54.
11.نهج البلاغة، حكم أمير المؤمنين، ح73.
12.عيون الحكم، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص82.
13.جنود العقل والجهل، الإمام الخميني قدس سره، ص142.
14.من كلمة للسيد علي الخامنئي في لقاء المعلمين والتربويين بمناسبة أسبوع المعلم 07/05/2014.
15.عيون الحكم، (م.س)، ص124.
16.الميزان في تفسير القرآن، (م.س)، ج6، ص259-260.
17.ميزان الحكمة، (م.س)، ج1، ص800.
18.الكافي، (م.س)، ج3، ص24.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع