إطلاق أوّل قناة تلفزيونيّة إسلاميّة في كينيا توظيف الغربان "عمّال نظافة" في شوارع هولندا! الجنود الروس ممنوعون من التقاط "السيلفي" المُحَلّيات الاصطناعية خطر يهدّد الأطفال إنتاج الكهرباء من الدموع البشرية! رائحة البلاستيك تُحاكي غذاء الأسماك قلبك سيكون كلمة السرّ! "محمد" أكثر الأسماء شعبيةً في فلسطين المحتلة مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ

شهيد الدفاع عن المقدّسات علي حسين صالح (هادي)


نسرين إدريس قازان


اسم الأم: صباح مرمر.
محل الولادة وتاريخها: العباسيّة 01-10-1990م.
رقم القيد: 145.
الوضع الاجتماعي: عازب.
مكان الاستشهاد وتاريخه: الغوطة الشرقية 07-12-2013م.


هناك في حيّ الليلكي، ملحمةٌ من فداء كُتبت بالدم(*)، ملحمةٌ قضى فيها شبابٌ وَقفوا عن سابق إصرار وتصميم بكلّ وعيّ وإيمان ومسؤوليّـــة وحكمــة، وجعلوا من أجسادهم شريطاً شائكاً، فتكسّرت جحافل العدوّ الصهيونيّ والمتــــآمر عند أشلائهم، وظلّــت هذه الملحمة الخالدة راسخةً في القلوب..

* غياب شهيد وولادة شهيد
كان الشهيد "علي مرمر" أحدهم، وظلّت ذكراهُ ساخنة في القلوب، وكم افتقدته أخته "صباح" التي كانت رفيقةً له أيضاً، فقد رُزقت أربع فتياتٍ بعد زواجها، وانتظرت أن يمنّ الله عليها بصبيّ يشبه خاله، فاستجاب الله دعوتها، وولد عليّ..

شابَهَ عليّ خاله في الخِلقة والخُلق، وكبُر وهو يبحث في أوراق خاله عن كلّ جملة كتبها بين طيّات كتبه، وعاش أيّامه يسأل عن صفاته وأخلاقه أيضاً. فكان هادئاً صامتاً مثله، لا يستفزّه شيء، فقد عوّد نفسه على امتصاص الغضب وكبْت ردّة الفعل، ومعالجة الأمور برويّة وحكمة.

سبعة من الإخوة تقاسموا الحياة، حلوَها ومرّها، كانت علاقتهم قويّة متينة، تميّز علي بينهم بالتنازل عن حقوقه لإخوته منذ طفولته زاهداً بكلّ شيء، فقد كان متحمّلاً المسؤولية رغم ظروف الحياة الصعبة وفي لحظاتها المرّة، فإذا ابتُليَ أخوه أو أخته بالمرض، كان سنداً لأهله ولأخوته، فيتجاوزون جميعاً المحنة بالصبر والتحمل والرضى، وقد تحوّل عليّ إلى الأخ الراعي والمرشد والمربّي، ووضع خطّة واضحة في التعامل مع عائلته في جميع النواحي.

* عالَمه: الكتب والمسجد
كان علي حين يذهب إلى بيت جدّه، يتسلّل إلى تلك الغرفة التي تعبُق بذكريات خاله؛ كتبه الدينيّة، والأدبيّة والجامعيّة ومذكّراته، اختزنها عليّ في نفسه، وقد شغفته الكتب الفلسفيّة، خصوصاً تلك التي تتحدّث عن أسرار الموت.

كانت الكتب عالم عليّ، فبنى ثقافة عميقة واعية جعلته مقصداً لكلّ سائل، إنْ كان في بيته أو في المسجد، حيث كان يلتقي برفاقه، فالمسجد بالنسبة إليه لم يكن للصلاة فحسب، بل هو المكان الذي يبني فيه المرء نفسه روحيّاً ومعنويّاً، وكان كلّما حرص على مستحبٍّ وفّقهُ الله تعالى إلى مستحبّ آخر، فلمس البركات، وأدرك أنّ هذه الفيوضات ما لم يحرص عليها لن تدفعه إلى الأمام، فكان يستفيق لصلاة الليل، ويتهجّد حتى بزوغ الفجر. عُرف عليّ بصوته العذب الحنون، والمؤثّر، فصار يقرأ مجالس العزاء لأهله ورفاقه في الدورات تلبيةً لطلبهم، وكانت مجالسه المغلقة مليئة بالعبر والحكم التي كانت تنفذ إلى القلب وتهزّ الأعماق.

* من الكشاف إلى التعبئة

الجهاد والمقاومة إرث غالٍ احتفظ به في طيّات فؤاده، فهو التحق صغيراً بكشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. وما إن بلغ الرابعة عشرة من عمره حتّى التحق بصفوف التعبئة، وكان هذا حلمه الذي انتظره سنين. التحق بالدورات واحدة تلو أخرى إلى جانب دراسته الأكاديميّة التي فضّل أن يُكملها في المهنيّة باختصاص "فندقيّة"؛ وذلك لحبّه فنون الطبخ. ولكنّه سرعان ما تركها أيضاً مفرّغاً وقته للعمل الجهاديّ.

جرّب عليّ أن يمتهن مهنة الحلاقة إلى جانب عمله الجهاديّ، ولكنّه لم يستطع أن ينسجم مع أجواء الأماكن التي قصدها للتعلّم، فأعرض عن الفكرة نهائياً.

* السعي نحو الكمال يبدأ بالتخلّي
لقد أدرك عليّ أنّ الإنسان الذي يسعى للكمال ينتظر في الحياة وقفة يتخلّى فيها عن كلّ شيء ليصل إلى حيث يريد؛ فتخلّى عن كلّ شيء، وبسريّة تامة انطلق إلى عالمه الجهاديّ. وبين المنزل وغرفته المغلقة عليه وعلى ضيوفه المجاهدين وبين مركز عمله، غَزَل أيّامه التي كان يتمنّى أن تمضي سريعاً حتى لا يعلقَ فيها شيء من الدنيا وآثارها..

أمّا اللحظات التي كان فيها يحبّ أنْ يختلي بنفسه، فكان يقصد روضة الشهداء، وكأنّ ما يجول في داخله هم فقط بإمكانهم سماعه. كان ينظر إلى صورهم خجلاً مجلِّلاً نفسه بالتقصير، وإذا ما طرأ عليه عمل يغيب فيه طويلاً يوصي أخته أن تقوم بزيارة أضرحتهم نيابةً عنه.

* حين أذِن الله له بالجهاد
كانت حرب تموز 2006م، الحرب الأولى التي شارك فيها ضمن عداد التعبئة في رعاية المهجّرين، وقد تلظّى قلبه حسرة لعدم القتال، منتظراً ذلك اليوم الذي يأذن فيه الله له بالجهاد. وكان ذلك اليوم حينما بدأت الحربُ الاستباقية مع التكفيريين فصار يتردّد إلى سوريا بسريّة تامّة، إلى أن وجد أنْ لا بدّ لأمه من أن تعرف بشأن ذهابه، لأنّه يوماً ما لن يعود.

صارت أمه تساعده في تحضير حقيبته وتجلّله بالدعاء عند كلّ ذهاب، فهي من أكثر من يعرف أهميّة هذه الحرب وخطورتها، فالوعي بطبيعة المعركة من أهمّ الأمور، وهي تدرك أنّه "ما غُزي قوم بدارهم إلّا ذلّوا".

شارك عليّ في العديد من المعارك في سوريا، وكان له ولإخوته المجاهدين الفضل في تحرير الكثير من المناطق وفكّ الطوق التكفيريّ عن مقام السيدة زينب عليها السلام، ومنطقة "الحجيرة" التي استبسل فيها المقاومون أيّما استبسال.

* يا زهراء... يا بقيّة الله
في الآونة الأخيرة عرف عليّ أنّ موعد رحيله قد اقترب، فقد رأى الكثير من الإشارات التي فهمها ووعاها، وصار يوصي أهله بالصبر، فالمعركة التي سيتوجّه إليها قاسية. وهناك في الغوطة الشرقيّة خاض عليّ ورفاقه معركة عانقت فيها الدماء السماء، فأصيب خلال الاشتباك ووقع أرضاً. كانت إصابته حرجة، هرع إليه رفاقه ففتح عينيه قائلاً: "يا زهراء.. يا بقيّة الله.. وارتقى إلى ربّه شهيداً".


(*) ضمن أحداث اجتياح العدو الإسرائيلي لبيروت عام 1982م، هاجم الإسرائيليون مناطق عدة من اجتياح ضاحية بيروت، إحداها الليلكي حيث حصلت مواجهات بطولية لفصائل مقاومة، استشهد إثرها عدد من الأبطال، منهم الشهيد علي مرمر ورفاقه، بتاريخ: 16/6/1982م.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع