مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

قصة: عصا برائحة البارود

الشيخ علي حمادي


تأخّرَت في الوصول إلى ساحة القرية. ولمّا وصلتْ لم يكن أحدٌ بانتظارها. وقفَت وحيدةً تحمل عصاها في يد، وحقيبة أدويتها في اليد الأخرى. لا شيء سوى حفيف شجرة الصّفصاف وبعض رائحة البارود.

اتّكأت على عصاها السنديانيّة القديمة. أَخذَت نفساً عميقاً لعلّه يُبرّد حرارة "الآه" في وجدانها، ثمّ زَفرت وحوْقلت ورمقت بطرْفها آفاق السماء كأنّها تُطمئِنُ قلبها إلى أنّ هناك مَن لنْ ينساها.
لم تلُم الحاجّة أم حسن أحداً من أبناء قريتها الذين نزحوا جميعاً ونسَوْها. فالحرب قرعت طبولها صباح ذلك اليوم، والناس خرجوا زرافات ووُحداناً من تلك المنطقة الحدوديّة التي كانت أوّل ما داهمها الخطر.

وقفَتْ هناك لا تعرف لماذا، أو ماذا تنتظر، وكأنّ تجاعيد وجهها المضيء إحدى حكايات جبل عامل. وحكاياتُه كصفاء نهره المتجدّد عبر الزمن ينحدر سيلاً رابياً من قمم الإنسانيّة العظيمة.
وبينما هي في لحظة تأمّل تكشف عجز الإنسان أمام الموت وأمام الحياة، وإذ بقذيفةٍ تهبط في الوادي القريب فتنتبه مجدداً إلى أنّها وحدها في وسط الساحة، وهدير الطائرات الحربيّة عاد يضجّ في الفضاء، فتُسرع بكلّ ما أوتيت من قوّة وتعود أدراجها إلى بيتها القديم على أطراف القرية...

تجاهل الألم الذي استولى على رجله المصابة بطلقٍ ناريّ، إثر معركة كبيرة على أطراف القرية خاضها مع اثنين من رفاقه المجاهدين ضدّ قوّة صهيونية معادية مدرّعة. ربط قدمه بخرقةٍ ليحبس الدم ومشى يعرج ما استطاع إلى ذلك سبيلاً حتى إذا نفدت طاقته استند إلى أحد رفيقيه وتوجّهوا جميعاً إلى أقرب بيتٍ لاح أمام أنظارهم.

كان بيتاً صغيراً مبنياً من الحجر الصخريّ، بابه الخشبيّ قديمٌ وشبه مهترئ يسهل خلعه والدخول للاحتماء ومحاولة تطبيب الجريح.
كسر أحد المجاهدين القفل وتقدّم يتبعه الآخر والجريح، وإذا بمكنسةٍ من خلف الباب تهوي على رأس الأول وصوت عجوز تصرخ: "اخرج من بيتي أيّها الصهيونيّ...".
"صلّي على النبي يا حاجّة... آآخ...".
لم يتمالك الجريح نفسه من الضحك أمام هذا المشهد حتّى إنّه غفل عن الألم.
"اضربي يا حاجّة هذا صهيوني" قال الثالث محرّضاً وهو يغلق الباب مبتسماً، حتى كأنّ من يراهم لا يصدّق أنّ هؤلاء عادوا لتوّهم من معركة شرسة، قتلوا فيها ثلاثة أعداء إسرائيليين، وجُرح أحدُهم، والطائرات الحربية ما زالت تلاحقهم.
عندما استوعبت المرأة العجوز الأمر، كان الثلاثة جالسين على الأرض يتنفّسون الصّعداء.

"ماذا تفعلين هنا يا حاجّة؟!"، بادر أحدُهم بالسّؤال مستغرباً وجودها رغم كلّ هذا القصف العنيف المتواصل منذ أيام. "لماذا لم ترحلي كبقيّة الناس؟".
لمعت دمعةٌ في عين العجوز، لكنّها كابرت وقالت: "ربما شاء الله أن أبقى هنا لأستقبلكم يا أبنائي".

أحضرت الحاجّة الماء وسقت المجاهدين ثمّ جلست على بساطها المتواضع الصغير وتناولت آخر حبّة دواء في حقيبة أدويتها.
بعد ساعة أحضرت لهم بعض الزعتر والزيتون واستأذنتهم في الانصراف؛ لأنها مضطرّة إلى تأمين الدواء بأيّ شكل.

لم تنفع محاولة أحد المجاهدين ثَنيَ العجوز عن الخروج، وكان الجريح نائماً يئنّ من الوجع فيما لم يحاول الثالث منعها تجنّباً لأيّ اشتباك جديد.
خرجت باتّجاه القرية المجاورة. فرغم المسافة الطويلة، عزمت على الأمر، فهناك تسكن صديقتها أمّ يحيى. هي مثلها تعاني نفس المرض وتواظب على الدواء عينه. لا بدّ من أنّ أم يحيى في منزلها. أخذت تمنّي النفس بكل ذلك.
مشت طويلاً وهي تفكّر. كانت حاجة الجريح إلى طبيبٍ أو مسعفٍ أو على الأقلّ إلى حقيبة إسعافات فيها بعض الحقن ضروريةً وإلّا بُترت ساقه. وكانت تحتاج إلى دواء القلب وإلا توقّف قلبها.

تردّدت في ذهنها أصواتٌ سمعتها هذا الصباح الباكر بعد قدوم ضيوفها المفاجئ:
- "اصبر يا حسام... الطائرات تحلّق بكثافة في الأجواء ولا يمكن الخروج قبل حلول الليل".
- "ولكن الإسعافات الوحيدة موجودة في المغارة. كيف سنصل إلى المغارة ونقطع الوادي بهذه القدم المصابة؟!".
- "ماذا تعني: كيف سنصل؟! أنت ستبقى هنا، وأنا سأذهب لأحضرها ولكن سننتظر الليل. نم قليلاً الآن".

انتهى الحوار المتردّد صداه في أصول أذنيها. رفعت رأسها. لم يكن أمامها منزل أم يحيى، ولا حتّى قرية أم يحيى. وجدت أم حسن نفسها واقفةً مدهوشة أمام باب المغارة.

مَن مِن أهل تلك القرية والقرى المجاورة لا يعرف مغارة الشهداء؟ خصوصاً كبار السنّ الذين عاشوا أيام الاحتلال وشهدوا بعض عمليّات المقاومة أو سمعوا عنها القصص العظيمة. هنا اجتمعوا وخطّطوا وصلّوا وصاموا وجاهدوا...
دخلت المغارة. لم تكن تعرف ماذا تحضر. فأعملت حدْسها واختارت أكبر حقيبة وجدتها.
لا بدّ من أنهم سيجدون كل ما يحتاجون إليه في هذه الحقيبة الضخمة، همست في نفسها بأمل.

لو كان للعصا السنديانية أن تتكلم لأقسمت بأنّها شهدت معجزةً ذلك النهار، ولشهدت على نفسها بأنها تعبت ولم تتعب الحاجّة أم حسن وهي تصعد الجبل تحمل على ظهرها حقيبة كبيرة ثقيلة تُرهق أكتاف الرجال.
قلق المجاهدون على غيابها كامل النهار وبدأت تساورهم الأفكار المؤلمة حول مصيرها.
وصلت بشقّ الأنفس، ولم تنبسّ بحرف. وضعت الحقيبة أمام المجاهدين. تمدّدت على فراشها الصغير.
"ولكن أين دواؤكِ؟!".
لم يسمع سوى شخيرٍ ضعيفٍ كأنّه يُخرج معه بهدوءٍ حمماً ملتهبةً من قلبٍ مثقل بالجراح والتعب.

في صباح اليوم التالي، ودّع الرجال الحاجّة أم حسن شاكرين. لم ترضَ إلّا بأن وضعت في جعبهم نصف مونتها على قلّتها. ورحلوا.

انتهت الحرب. في نفس الساعة أسرع الرجال أنفسهم إلى ذلك البيت الصغير على أطراف القرية، وقد حضروا بالإسعاف لأنّهم؛ يعلمون أنّ المرأة بقيت أياماً طويلة بدون الدواء والغذاء الكافي.
وصلوا إلى البيت. ما زال الباب مخلوعاً. دخلوا، كانت الحاجّة أم حسن ممدّدةً على باب الدار وبقربها المكنسة نفسها تحسّباً لأيّ صهيوني، يمكن أن يدخل.

في اليوم التالي زفّت المقاومة شهيدةً من شهدائها، من أولئك الذين لم تكن أسماؤهم مدرجةً في السّجلات التنظيميّة الرسميّة للمقاومة.


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع