مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

منبر القادة: عليكم بدنيا علي عليه السلام(*)


الشهيد السيّد عبّاس الموسوي (رضوان الله عليه)

من المسائل المهمّة التي ينبغي لنا أن نتعرّف إليها من خلال رؤية أمير المؤمنين عليه السلام لها هي مسألة النظرة إلى الحياة الدنيا، وفي المقابل، إلى الحياة الآخرة. ما معنى الدنيا؟ وكيف يجب أن يتعامل الإنسان المؤمن معها؟ هل يجوز له أن يتعلّق بها؟ هل يجوز له أن يُطلّقها ويهجرها بالكامل؟ كيف نظرَ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام إلى هذه الدنيا؟ كيف تعامل معها؟ وبماذا أمر أصحابه، وشيعته، والمسلمين من حوله على مستوى التعاطي معها؟

* نظرة الماديّين إلى الدنيا
إنَّ النظرة الجامعة على مستوى كلّ النظريّات غير الدينيّة، وفي نظرة الماديين بشكلٍ عامّ، أنّ الدنيا هي الدار الأساس وهي المستقرّ، وهي البداية والنهاية. فلا دار بعد هذه الدار. الجامع المشترك بين هذه النظريّات كلّها، التي مهما اختبأَتْ وراء عناوين جميلة وبرّاقة، هو عبادة المادّة، وعبادة ما يصنعه الإنسان بيده.

مثلاً، النظريّة الماركسيّة تحاول أن تُخفي نظريّاتها خلف الحديث عن الوضع الاقتصاديّ، وآلة الإنتاج أو وسيلة الإنتاج. تحاول أن تُفبرك نظريّات اقتصاديّة ظاهرها جميل. وهكذا الفلاسفة الماديّون أو أصحاب النظريّات والمذاهب الأخرى، يقدّمون نظريّات، لكن في النتيجة تفضي إلى أن يتّخذ الإنسان إلهاً من دون الله عزّ وجلّ.

* عبدوا ما صنعوا
إذا أخذنا أمثلة من الواقع، في الأزمنة القديمة، كنّا نقول ما أسخف إنسان الجاهليّة يعبد شيئاً صنعه بيده ويسجد له. كنّا نتّهم هذا الإنسان بعقله، بتخلّفه. كيف تعبد شيئاً أنت تصنعه بيدك؟ بعض القبائل والعشائر، أيام الجاهليّة، كانت تصنع تمثالاً من التمر فتعبده، وفي أيّام المجاعة تأكله! وهذا أصبح موضع سخرية تاريخيّة أيضاً!! ما أصنعه بيدي يجب أن يعبدني، لا أن أعبده. أمّا بالنسبة إلى عصرنا الحاضر، وفي الوقت الذي نستهزئ فيه بأمثال هؤلاء الناس ونقول لهم: لِمَ تعبدون ما تصنعون؟ نجد الناس يسجدون للدرهم والدينار. أليست الأموال من صنع يدك؟ هذه الصناعة التي تصنعها أنت بيدك تتحكّم بك كما تريد.

كثير من الناس يحدّدون مسار حياتهم على أساس المال. إذا كنت أيها الإنسان العاقل تسخر من إنسان الجاهلية؛ لأنّه عبد ما صنعه بيده، فإنّ الدرهم، والدولار، والدينار، أموالٌ أنت صنعتَها بيديك فلِمَ تعبدها؟ تقول لبعض الناس: يا أخي، لماذا تنتسب إلى الحزب الفلانيّ؟ يقول: أنا أعرف أنهم جماعة منحرفون، فسقة، وليسوا من جماعة الحق، لكن ماذا أفعل؟ يوجد راتب... يعني هذا الراتب (المال) هو الذي جعلك عبداً! سواءٌ على مستوى التنظير الفلسفي للارتباط بالدنيا، أو على مستوى المسار العملي للناس، تجد أنّ الناس لا يفكّرون إلّا دنيويّاً، ويرون البداية والنهاية في الدار الدنيا.

* نظرة عليّ عليه السلام إلى الدنيا
أما الدنيا من منظور عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإنّنا نقرأ في الروايات: "الدنيا مزرعة الآخرة"(1). وفي نهج البلاغة، يوضّح لنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام أهمية الدنيا، ويشجّعنا على الارتباط بها، ولكن الدنيا التي يراها هو عليه السلام، لا التي يراها المنحرفون عن الحقّ؛ فيقول عليه السلام: "إنّ الدنيا دار صدقٍ لمن صَدَقَها، ودار عافيةٍ لمن فهم عنها، ودار غنىً لمن تزود منها، ودار موعظةٍ لمن اتعظ بها. مسجدُ أحباء الله"، الدنيا "مسجد أحبّاء اللـــه، ومهبط وحي الله، ومتجــر أوليــاء اللـه، اكتسبــــوا فيهــا الرحمة، وربحوا فيها الجنة"(2). يقـــول الإمــام عليّ عليه السلام لا تذمّـــوا هذه الدنيا، الدنيا جميلة، لكن لمن عرف كيف ينظــر إليها، فالدنيــا مسجد أحبّاء الله.

أولاً: ترابها مسجد وطهور
رسول الله وحبيبه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان تراب الدنيا عنده مسجداً وطَهوراً. وكان يحُبّ أن يتنقّل على هذه الأرض من مكانٍ إلى مكان، ليسجد هنا، ويسجد هناك، ثم يأمر الناس مِن حوله وأصحابه بأن يكثروا، من أماكن سجودهم على هذه الأرض؛ لأنّ كل بقعةٍ يسجدون عليها تشهد لهم يوم القيامة، فهي مسجد أحبّاء الله.

ثانياً: مهبط وحي الله
الدار الدنيا مهبط وحي الله. ولو كانت داراً نجسة لم تستحقّ أن يتوافد إليها الأولياء، وأهل الآخرة أحباء الله، فلماذا كان الملائكة يتسابقون للنزول إليها؟ إن جبرائيل عليه السلام والملائكة ينزلون في ليلة القدر إلى الدار الدنيا، فهي مهبط وحي الله وهي متجر أولياء الله.

ثالثاً: تجارة مربحة
لقد حضّنا علي بن أبي طالب عليه السلام على أن نتاجر مع الله في هذه الدار، فقال: "تجارةٌ مربحة يسّرها لهم ربهم". ويقول عليه السلام عن الدار الدنيا: "من أبصر بها بصّرته"، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191). هذه الدار الدنيا بسماواتها، وأرضها، ونجومها تستطيع أن تجعلها متجراً لآخرتك. أنت تقرّر فيها مصيرك. وهنا المسألة الأساسية والقرار المصيري بمجرَّد أن يتوفاك الله عز وجل، تعجز عن أخذ أيِّ قرار، فقط تتمنى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ (المؤمنون: 99-100). بعفوك، بمغفرتك، بكرمك، أعدْني إلى الدار الدنيا. لكن الله تبارك وتعالى لا يجيبك؛ لأنّه تعالى قد أعطاك زمناً واسعاً للتوبة، وأنعم عليك بنعمٍ كثيرة، مع ذلك، هذه النعم كلّها، وهذه الفرص كلّها التي أعطاها الله لعبده المؤمن، لم يستفد منها.

علي بن أبي طالب عليه السلام يريد منّا أن نرتبط بهذه الدنيا، التي تُشكّل ممراً إلى الله، إلى الجنة. ترتبط بالدنيا، لأنها تجعلك قادراً على عبادة الله، فتتحول مثل هذه الدنيا حقيقةً إلى نور.

* أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها؟
بعض الناس -بشكلٍ عام- يسخر من هذه الدنيا، ويذُّمها، لكنّه في واقع الأمر من أكثر الناس حبّاً لها وتعلّقاً بها، تقول الرواية إنّ علياً عليه السلام سمع شخصاً يسُبُّ الدنيا ويذمُّها، فنظر إليه، وقال: "أيُّها الذّام للدنيا المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أتغترُّ بالدنيا ثم تذمُّها؟ أنت المتجرِّم عليها أم هي المتجرّمة عليك؟"(3). من الذي تجرَّم على الآخر؟ هي دنيا جميلة، أتت إليك كنعمة من نعم الله عز وجل، ثم طالبتك بأن تكون عابداً لله فيها، ولتكون في خدمة الإنسان، كخليفة لله. هذه النعمة الإلهيّة العظمى، سخّرتَها لمطامعك، حرّفتها عن مسارها الطبيعي. أأنت المتجرِّم عليها أم هي المتجرّمة عليك؟

* "يا دنيا غرّي غيري"
وفي المقابل، الدنيا التي أراد الله وأراد علي بن أبي طالب عليه السلام أن نفرَّ عنها بعيداً، وذمّها أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "يا دنيا طلقتكِ ثلاثاً"، "يا دنيا غري غيري، فحبلك على غاربك، قد انسللتُ من مخالبك، وأفلتُّ من حبائلك"، الدنيا التي طلّقها عليُ بن أبي طالب عليه السلام هي تلك التي أرادها يزيد بن معاوية، والتي أرادها عمر بن سعد.

عندما نعرف نظرة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الحياة الدنيا، كيف نُقيِّم واقعنا؟ هل أنت في موقع طاعة الله عز وجل؟ وإذا كنتَ في موقع الطاعة، هل أتمَمت الطاعة بين يدي الله عزّ وجل؟


(*) من خطبة الجمعة التي ألقاها سماحته في تاريخ 5/8/1988م.
(1) شرح أصول الكافي، المازندراني، ج1، ص154.
(2) نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج4، ص32.
(3) (م.ن)، ج4، ص32.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع