مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

قضايا معاصرة: السرُّ المدفون: عشقٌ ومقاومة


وئام أحمد(*)

كثيرة هي الأسرار التي نسجتها المقاومة بأحرف الصمت طوال سنيّ التضحيات. كيف لا، وهي التي جعلت من الألغاز والأحجيات قطعاً مخفيّة ترتّبها كيفما ترى مناسباً؛ ما جعل العدوّ الصهيوني يفكّر كثيراً في قصة المارد(1) الذي خرج من المصباح وبدأ يكبر شيئاً فشيئاً، حتّى أصبح كالأسطورة، حلماً بل كابوساً يقضّ مضجعه مع كل صباح ومساء...

* ما هو هذا السر المدفون؟
لو أردنا أن نغوص في بحر أسرار المقاومة سنبقى نُبحر لسنين، لكنّ "شركة الأرز"(2) أرادت أن تأخذ هذا الخيار، في رحلة شيّقة مليئة بلحظات العشق والتضحيات، فاختارت لنا أحد تلك الأسرار التي بقيت مخفيّة لعدة سنوات، فنفضت عنها غبار الزمن، قبل أن تكتمل الصورة وتظهر الحكاية... حكاية الاستشهاديّ عامر كلاكش "أبو زينب"...

ولمن لا يعرف أبا زينب، فهو ذلك الشاب الجنوبيّ الذي قدّم نفسه قرباناً على مذبح الشهادة في عمليّة استشهادية نوعيّة حيّرت الصهاينة لسنوات كثيرة، حتّى أعلن سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (حفظه الله)، في أحد الاحتفالات، عن اسمه بعدما كان طيّ الكتمان.

* صناعة الدراما الإنسانيّة
"السرّ المدفون" هو إنجاز سينمائيّ جديد ينضمّ إلى قافلة أفلام ما عرف بـ"سينما المقاومة" بعد عدّة مسلسلات وأفلام وإنتاجات روت بعض الحقبات من تاريخها، مثل: سلسلة الغالبون 1-2، أهل الوفا، حبل كالوريد، 33 يوم، سلسلة أفلام رصاص... ما يميّز فيلم "السر المدفون" الذي أنتجته شركة الأرز هو أنّه يعدّ نقلة نوعيّة من مرحلة السرد التاريخيّ إلى مرحلة صناعة الدراما الإنسانية. ربما يكمن السرّ فيه أنّ القصة التي بُنيت عليها الحَبكة الدراميّة تتمتّع بالعديد من العناصر الفنيّة والدرامية، وقد تمّ تقديم هذه الأفكار بشكل متسلسل وسَلس من خلال إعادة بناء التاريخ من جديد، فالمُشاهد من خلال الفيلم يشعر وكأنّ تاريخ الشهيد "أبو زينب" يتجسّد أمامه، حتّى إنّه يشارك والدته في حمل السرّ الذي أخفته عن كل أفراد العائلة، ومنهم الوالد، إلى أخيه العائد من الغربة، إلى مراحل الصراع... هذه هي جمالية السينما..

* مزيج إيرانيّ-لبنانيّ
لكن يؤخذ على السيناريو أنّه قد أعيدت كتابته عدّة مرات، فقد تغيّر اسم الفيلم من "زهرة فؤادي"، إلى "أبو زينب"، وآخرها "السرّ المدفون". كما إنّه كان مزيجاً من النَفَسين الإيرانيّ واللبنانيّ في آن معاً، فالفكرة بدأت مع الدكتور "رضا اسكندر"، ثم شارك في إعادة كتابة السيناريو "محمود غلامي"، فاسكندر عايش فترة المقاومة في بداياتها، لكنّه غادر لبنان لدراسة السينما في إيران، أما السيد غلامي فهو إيرانيّ، وربّما لم يعرف المقاومة إلّا من خلال ما سمعه عن قصصها، كلّ هذا يضعف، في بعض النواحي، النفحات الدراميّة المتعلّقة بروحية المقاومة في تلك الحقبة.

من حيث الموسيقى، فقد تنقّل مؤلّفها بشكلٍ مرن على أوتار القلوب، ونجح في العزف على قيثارة المشاعر بأنامل خفيّة تجعل الروح تحلّق على جناح الطير. وبالتوازي مع ذلك كان إبداع المخرج الإيرانيّ علي غفاري، ومَن غير الإيرانيين يجيدون إبداع الصورة وصقل المشاهد لتقديم الأفضل؟

* بين الدور والممثّل
من حيث الأداء التمثيلي، فقد تألّقت "كارمن لُبّس" في تجسيد شخصيّة الأمّ المقاومة، هي التي شاركت في فيلم "33 يوم" وغيره من الأفلام التي تتحدّث عن التضحيات. ولكن ما كان لافتاً هو أداء الممثّل الشاب "علي كمال الدين"، الآتي من عالم التصوير والإخراج إلى عالم التمثيل، فجسّد بحقّ شخصيّة الشهيد، المتواضع، المؤمن، الذي يحمل بين ثناياه عشق الإله والذوب في كمال معشوقه. ربّما هذا ما نطمح إليه في نوعيّة أفلام كهذه؛ لأنّ شخصيّة الشهيد لا بدّ من أن ترتسم في أذهان الناس والشباب خاصّة، فتبقى نقيّة صافية، لا أن تتشوّه هذه الصورة بأيّ شكل من الأشكال، ولا تضعف؛ فعندما يتمّ انتقاء ممثّل لأداء أدوار كهذه، فنراه شهيداً في دور، ثمّ منغمساً في ملذّات الدنيا ومحرّماتها في دورٍ آخر، سيؤدّي ذلك إلى اهتزاز صورة الشهيد في نظر الجمهور المتابع لهذه الأفلام. "السرّ المدفون" هو فيلم سينمائيّ يصلح ليطرق باب العالميّة ويُعرض في صالات العرض العالمية؛ لأنّه ينقل حكاية صغيرة من حكايا المقاومة بأسلوب محترف، كما إنّ اعتماد المخرج على الوجوه اللبنانية المعروفة التي لها باعٌ طويل في تجسيد شخصيّات المقاومة، قد أضاف قيمة جديدة لذلك.

* ضعف الترويج أثّر على العرض
لم يكتب للفيلم النجاح في صالات العرض اللبنانية. يعود ذلك إلى ضعف الدعاية والترويج له، حيث إنّ القيمين عليه في تلك الفترة كانوا بعيدين نوعاً ما عن حقيقة الساحة السينمائية في لبنان بمطبّاتها ومشاكلها، كما إنّ اختيار الوقت كان غير مناسب لإطلاقه، في ظلّ أوضاع سياسيّة صعبة في لبنان، أثّرت على الترحيب بعرض فيلم عن المقاومة الإسلامية، في صالات العرض التي تفضّل ترويج الأفلام الأجنبيّة على الترويج لفئة من الرجال هزمت إسرائيل.

* جائزة أفضل فيلم أجنبيّ
لكن عاد هذا الفيلم وأخذ بعضاً من مجد ضائع، من خلال مشاركته في أحد المهرجانات الأجنبيّة ونيْله جائزة أفضل فيلم أجنبيّ، كما إنّه قد نال جائزة أخرى في مهرجان "الفجر السينمائيّ" الذي يقام كلّ سنة في الجمهورية الإسلاميّة في إيران.
الجدير ذكره أنّ هذا الفيلم قد عرضته الجمعيّة اللبنانية للفنون "رسالات" على مسرحها بحضور وزير الثقافة الإيرانيّ الدكتور "علي جنتي" وجمع كبير من نجوم الشاشة اللبنانية والوجوه الإعلاميّة المعروفة، وهذا العرض كان العرض الافتتاحيّ ليستمرّ فيما بعد ويعرض في كافة المناطق اللبنانيّة حيث الجمهور المقاوم الذي يحبّ هذه الأفلام كما يحبّ مقاومتها.

*بطاقة الفيلم:
فيلم سينمائيّ يتحدث عن أمّ جنوبيّة حملت معها سرّ استشهاد ابنها "أبو زينب" لعدّة سنوات دون أن تُخبر حتّى والده، متحمّلةً بذلك كلّ الأذى الذي تسبّب به الاحتلال في محاولة الضغط عليها للإقرار بهذا السرّ، حتى أعلنه سماحة الأمين العام (حفظه الله) أمام جمهور المقاومة.
من إنتاج : شركة الأرز
بطولة: باسم مغنية- عمّار شلق- كارمن لبّس- يوسف حداد- علي كمال الدين
سيناريو: رضا إسكندر - محمود غلامي.
موسيقى : علي موسوي.
إخراج: علي غفاري.


(*) باحث في مجال السينما.
(1) أُطلق هذا المصطلح على المقاومة وجمهورها، وكثُر استعمال كلمة "المارد الشيعي".
(2) تُعنى بالإنتاج الفني والسينمائي.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع