وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

فقه التواصل الافتـراضي


الشيخ إسماعيل حريري (*)


العالم الحقيقي (Real World) والعالم الافتراضي (Virtual World)، مصطلحان شائعان. يعني الأوّل: العالم الذي نعيشه في حياتنا اليوميّة، ونتلمّسه حقيقة وعياناً بتفاصيله كلّها، والثاني: عالماً مفترضاً بعيداً عن الواقع الحقيقيّ والمباشر، فرض نفسه على حياتنا، داخلاً في تفاصيلها، حتى غدا في كلّ بيت. فلم يعد دخول العالم الافتراضيّ محصوراً بالاستفادة من معلومات علميّة أو ثقافيّة أو فكريّة فحسب، بل تعدَّى الأمر إلى القدرة على التواصل مع الآخرين في أيّ مكان من العالم، بمحادثة مكتوبة، أو محادثات بالصوت والصورة مسجّلة، أو مباشرة عبر برامج "الفايسبوك"، "الواتس آب"، "السكايب"...

وعليه نسأل: ما هو موقف الشرع فيما يخصّ هذا النوع من التواصل؟!

* سؤال يطرح نفسه
يتحتّم السؤال عن الحكم الشرعيّ لمثل هذا النوع من التواصل من جهات عدّة، منها:
1- تحقّق الاختلاط بهذا التواصل.
2- الصور التي تنشر من خلال هذا التواصل.
3- نوع الكلام المستخدم عبر هذا التواصل.
4- المواقع التي يلج إليها المستخدم عبر العالم الافتراضيّ.
وغير ذلك ممّا يقدّمه هذا العالم الافتراضيّ الواسع.

ولا شكّ في أنّ هذا السؤال يراود العقلاء وخصوصاً المتديّنين منهم الذين ينظرون إلى هذا العالم كوسيلة ذات اتجاهين، صالح وسيّئ، ويتخوّفون من سلوك الاتجاه السيّئ المؤدّي إلى الضياع والسقوط في المهالك.

وفي الإجابة عن هذا السؤال نقول: لا يرى الإسلام فرقاً في السلوك البشريّ بين العالم الواقعيّ الحقيقيّ والعالم الافتراضيّ، ولذلك فإنّ الوازع الدينيّ (الحكم الشرعيّ) هو الركيزة الأساس التي لا بدّ أن تحكم سلوكيّات الإنسان، سواء في العالم الافتراضيّ أو الحقيقيّ، خصوصاً وأنّ التجاوزات والانتهاكات في العالم الافتراضيّ أسهل وأسرع.

فمن تلك الانتهاكات: توجيه خطابات: عنصريّة، مذهبيّة، قوميّة معادية، التعدّي على خصوصيّات الآخرين، اتّهامات، شائعات، تشهير بالآخرين وهتك حرماتهم، كلام بذيء وفاحش، الدخول إلى مواقع فاسدة، التواصل الوهميّ لغرض الإيقاع بالآخرين ماليّاً أو سلوكيّاً، وغير ذلك من التعدّيات التي يمكن أن تُمارس عبر عالم التواصل الافتراضيّ دون حسيب أو رقيب، إذا لم يوجد ما يردع الإنسان ويكون حاجزاً له عن ارتكاب أيّ منها.

* الرؤية الفقهيّة الإسلاميّة
وعليه، فبحسب الرؤية الفقهيّة الإسلاميّة، لا يجوز تجاوز الحدود الشرعيّة أبداً في أيّ تعاطٍ وتواصل عبر هذا العالم الافتراضيّ. وأمّا التفصيل ولو بمقدار ما يسمح به المقال فهو:

1- إنّ الشرع الإسلاميّ الحنيف لا يُجيز التلفّظ بكلام بذيء وفاحش؛ فلا يستسهلنّ أحد ذلك بدعوى أن لا أحد يعرفه عبر "الإنترنت" فيحلو له الكلام البذيء الفاحش عبر الصوت مع أحد ما، بل حتّى كتابته بقصد الإساءة إلى شخص أو تعبير عن موقف بهذه العبارات المشينة.

2- لا يجوز عرض ما يسيء إلى الدين الإسلاميّ من كلمات ومواقف وصور وفيديوهات ونحو ذلك، سواء أكانت الإساءة تطال معتقداً دينيّاً أم حكماً شرعياً أم شخصيّة علميّة لها مكانتها الدينيّة في الوجدان الدينيّ لكونها رمز المرجعيّة الدينيّة والقيادة الصالحة التي صارت مأوى لعشرات الملايين من المسلمين، كالوليّ الفقيه. وقد يُقدم بعضهم على عرض مقالات لأحد ما باسم الدين والإسلام دون تدبّر وتأمّل فيها ويكون في محتوياتها ما هو باطل وضالّ.
فلا يغترنّ بكلمات وشعارات يُراد منها الإساءة إلى الدين ومفاهيمه الحقّة، فلا يعرض إلا ما تبيّن له صوابيّته حقّاً ولو بعرضه على أحد العلماء الموثوقين.
ويندرج تحت هذا المورد التشهير بالمؤمنين وكشف مستورهم، فضلاً عن الافتراء عليهم بما هم بريئون منه.

3- نشر الصور عبر صفحات التواصل الافتراضيّ له محاذيره بالعموم: فنشر الصور الفاسدة اللاأخلاقيّة والتي تتنافى مع العفّة لا يجوز بحال. وأمّا نشر صور الشخص نفسه فقد يكون محرّماً، كالفتاة إذا نشرت صورها سافرة متبرّجة؛ لما يترتّب عليه عادةً من مفاسد أخلاقيّة، وكالشاب الذي ينشر صوره المأخوذة بطريقة مريبة ولا تخلو من مفاسد في نشرها.
كما لا يجوز النظر إلى الصور التي تُثير الشهوة أو كان النظر إليها بقصد التلذّذ والريبة، كما ورد في بعض استفتاءات الإمام السيّد عليّ الخامنئي دام ظله(1).

نعم، على الفتاة المحجّبة أن تكون حذرة في وضع صورها على هذه الصفحات المفتوحة لكلّ أحد، والتي يمكن استغلالها لأغراض غير أخلاقيّة ومتنافية مع العفّة، ولذلك فإنّه، وإن جاز لها من حيث المبدأ أن تنشر صورها -الخالية من أيّ مشكلة في نفسها كالتبرّج ونحوه ممّا يؤدّي إلى الافتتان وإثارة الشهوة أو الوقوع في مفسدة ما- إلّا أنّها إذا كانت تعلم بترتّب مفسدة على ذلك فلا يجوز(2)، والاحتياط باجتناب مطلق النشر والعرض حسنٌ على كلّ حال.

4- يحظر تصفّح المواقع الفاسدة. ولهذه المواقع مصاديق منها:
أ- المواقع الفاسدة أخلاقيّاً وسلوكيّاً، كالمواقع الإباحيّة التي تعرض الصور الخلاعية. وهي مع منافاتها للعفّة، يترتّب على تصفّحها مفاسد دينيّة وأخلاقيّة، فضلاً عمّا في الدخول إليها من الترويج المحرّم لها، ولذلك يحرم تصفّحها.
ورد في بعض استفتاءات الإمام الخامنئي دام ظله: "لا يجوز فتح أو تصفّح المواقع المحرّمة، ومواقع الانحراف والشذوذ فيما إذا علم أنّ نظره سوف يقع على المشاهد المثيرة ونحوها"(3).

ب- المواقع الفاسدة عقديّاً، وهي تلك المواقع التي تعرض معتقدات باطلة، فيحرم تصفّحها إلّا لمن لا يتأثّر بها، ويكون تصفّحه لها بدافع الردّ على ما فيها من تلك الاعتقادات الباطلة مع قدرته على ذلك وأمنِهِ من الضلال، فهي تماماً ككتب الضلال.
ورد في تحرير الوسيلة للإمام الخميني قدس سره: "يحرم حفظ كتب الضلال ونسخها وقراءتها ودرسها وتدريسها إن لم يكن غرضٌ صحيحٌ في ذلك، كأن يكون قاصداً لنقضها وإبطالها وكان أهلاً لذلك ومأموناً من الضلال، وأمّا مجرّد الاطلاع على مطالبها فليس من الأغراض الصحيحة المجوّزة لحفظها لغالب الناس من العوام الذين يُخشى عليهم الضلال والزلل..."(4). والمواقع الضالّة الباطلة من هذا القبيل، ففي بعض استفتاءات الإمام الخامنئي دام ظله: "لا يجوز تفصّح المواقع التي تتعرّض للمذهب بالإساءة وتتضمّن أفكاراً ضالّة مضلّة إلّا بشروط ثلاثة مجتمعة:
- أن يكون التصفّح بقصد غرض صحيح كالإجابة عن إشكالاتها والردّ عليها.
- أن يكون المتصفّح قادراً علميّاً على الإجابة والردّ.
- أن يكون مأموناً من الانحراف والضلال(5).

5- عدم نشر ما يثير العصبيّة القوميّة، فالإسلام نبذ القوميّات، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس منّا من دعا إلى عصبيّة، وليس منّا من قاتل [على] عصبيّة، وليس منّا من مات على عصبيّة"(6).
وعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان في قلبه حبّة من خردل من عصبيّة بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية"(7).

6- لا يجوز نشر ما يؤدّي إلى إشعال الفتنة بين الناس، وخصوصاً بين المسلمين. ووسيلة التواصل الافتراضيّ من أكثر الوسائل الحديثة مساعدةً في نشر وترويج ما يُفتن بين المسلمين؛ لأنّها تحاكي شتّى الأذهان والإدراكات، وتدغدغ المشاعر المذهبيّة وتتلاعب بها؛ لأنّها الأكثر تأثيراً ووقعاً في نفوس الناس، ومن هؤلاء الضعيف الذي يتأثّر بكلمة دون أن يلتفت إلى مُطلقها، وإلى ما يمكن أن يترتّب عليها من خلافات وشقاق وفتنة بين المسلمين.

ولننظر بعين التأمّل إلى ما تُملأ به صفحات الفايسبوك ونحوها من كلمات وعبارات يُتهجّم فيها على مذهب معيّن من المسلمين، وكيف يكون ردّ الفعل المقابل، علماً أنّ كلا الطرفين في الغالب من غير أهل العلم، بل لا حظّ لهما من العلم والاطلاع على معتقده فضلاً عن معتقد غيره، حتّى ينبري مهاجماً ومدافعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: 191)، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ (البقرة: 217).

وعندما يتصدّى أهل العلم والفقه والعقل -أعني الفقهاء الذين هم حصون الإسلام- لدرء الفتنة وإخماد نيرانها قبل اشتعالها وتقوية أواصر الوحدة واللّحمة بين المسلمين في كلماتهم وفتاويهم، يتنطّح بعض الجهلة من أهل الفتنة لمواجهتهم، وهم قد وقع الريب فيهم أنهم أدوات أعداء الدين، كما حصل في فتوى الإمام السيّد عليّ الخامنئي دام ظله التي كانت سبباً في تهدئة النفوس وإخماد نار الفتنة بعد أن تنطّح جاهل من خلف البحار للمسّ ببعض الصحابة وبعض زوجات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، في وقت يحتاج المسلمون فيه أكثر من أيّ وقتٍ آخر إلى الوحدة فيما بينهم وتمتين أواصرها، فجاء الحكم الشرعيّ:
"يحرم النيل من رموز إخواننا السنّة فضلاً عن اتّهام زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما يخلّ بشرفها، بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء وخصوصاً سيّدهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم"(8). وفي استفتاء آخر: "أيّ عمل أو قول يعطي الذريعة للأعداء ويوجب التفرقة بين صفوف المسلمين حرام شرعاً"(9).

7- ولا نغفل قضيّة الاختلاط بين الجنسين، فإنه وإن لم يكن محرماً في نفسه، إلّا أنّه في كثير من الأحيان يؤدّي إلى محرّمات ومفاسد لا يرضى بها الشرع الحنيف. ولكن حصول الاختلاط عبر وسائل التواصل الافتراضي قليل جدّاً إلّا أن يتحقّق بطريقة ما اجتماع الجنسين في مكان واحد من هذا العالم عبر الصوت والصورة بما يصدق معه الاختلاط، فيكون محرّماً إذا ترتّب عليه محرّمات ومفاسد.

هذا -باختصار- أهم ما يمكن ذكره في فقه التواصل الافتراضي. والأهم، أن يتذكّر الإنسان أنه تحت رقابتين: رقابة الله عزّ وجلّ المطّلع على السرّ والعلن، ورقابة نفسه بأخلاقها وعفّتها. والله هو الموفّق لكلّ خير وصلاح.


(*) أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالميّة - فرع لبنان.
(1) راجع: أجوبة الاستفتاءات، ج2، ص36 وما بعدها.
(2) راجع: المصدر نفسه.
(3) استفتاء خطّي من أرشيف الاستفتاءات في مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي دام ظله في لبنان.
(4) تحرير الوسيلة، الإمام الخميني، ج2، ص457، مسألة 15.
(5) استفتاء خطّي من أرشيف الاستفتاءات في مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي دام ظله في لبنان.
(6) ميزان الحكمة، الشيخ محمد الريشهري، ج3، ص1992، عن سنن أبي داوود.
(7) الكافي، الكليني، ج2، ص308، ح3.
(8) استفتاء خطي موجود في أرشيف مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي دام ظله في لبنان.
(9) (م.ن).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع