قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

إلهي.. هذا هو سري

الشيخ محمد باقر كجك

لم يَعُدْ بيني وبين الموت غيرُ لحظةٍ، وبين الانتقال من هنا إلى حيث لا أدري، غير لمسةٍ دافئةٍ.
والدّشمة التي أقف خلفها تهتزُّ من وقع المطر، وتشمخ كلَّما صرَختْ في الجوِّ قذيفة!
في أيِّ مكانٍ غريبٍ أقفُ؟ ومن أنا؟


لا تفارقني أبداً صورةُ جدَّتي التي توفِّيتْ قبل سنين، كنت حينها طفلاً أملأُ الحارة شغباً، وأرسمُ على الجدران شبابيكَ واسعةً وطيراً أسودَ. أمْسَكَتْ حينها جدَّتي بخدِّي وقرصتني قرصاً ناعماً وأخبرتني أن لا أخاف من الطُّيور السَّوداء.. لمْ أدْرِ حينها كيف عرفت جدتي ذلك! ولكن الآن، وعلى طول هذه الجبهة، لا أرى غيرَ طيورٍ سوداءَ كبيرةٍ ترمي بأثقالٍ سوداء على الأرض.. ولا زلتُ خائفاً، وأحبُّ هذا الخوف لأنَّه يذِّكرني بها، ويدفعني إلى أنْ أتأمَّل في السَّماء راسماً شبابيكَ زرقاءَ واسِعةً.

* تراب بلدي
سنينَ طويلة مرَّت، وأنا أحملُ بندقيَّة. تذوَّقْتُ كلَّ أنواع التُّراب في بلدي، وأنا أزحف مختبئاً من أعين الموت. وشممتُ الهواءَ ولفظته خلفَ كلِّ صخرةٍ، حتَّى بتُّ لا أدري أفي شهيقٍ أنا أم في زفير! ووجهي، برَزَتْ فيه تجاعيدُ لم تكن موجودةً في اليوم الأوَّل لدخولي في المقاومة، وخصلةٌ باهتةٌ من الشَّعر امتدت وراء أذني، تهمسُ لي بألف سؤال.
هل أنا هاربٌ من البشر؟ ومن الجدران والأبنية؟ أعيشُ متمرِّداً على القدر؟
لم أعد أستسيغُ الوجوهَ التي تزحف مع الصَّباح نحو المدينة، وترجعُ متجهِّمةً كلَّ غروب! فهنا ليس لي سوى وجهٍ واحدٍ لا يتغيَّر.
وصرتُ إذا لمستُ كفَّاً عرفتُ الدِّفءَ فيه والبردَ، لأنِّي هنا لا ألمسُ بكفِّي إلا الحقيقة.
الحقيقة؟ عن أيِّ حقيقةٍ أتكلَّم؟ عن نفسي؟ آهٍ، لا شيء مثل نفسي! لو رآني أحد وأنا أرمي الغضبَ من فوهةِ بندقيَّتي، وأربط الموتَ بخيوط الكمائن، وأنتزعُ الأرواح الميتة، لَفِزِعَ! ثم لو رآني ألثمُ خدَّ وردةٍ أضعها في غرَّةِ طفلتي، لتعجَّب!
شعورٌ بالغُ الرَّوعة والقسوة أن أجمع بين النقائض، فلا أرحم من لا يستحقّ، ولا أقسو على من أحبّ!

* مناجاة
إلهي.. أحبُّك، تركتُ نفسي في يدِ تقديرك، وجعلتُني أدخلُ مدرسةَ عظمتك صغيراً، لأتعلَّم أنَّ الذَّهب لا يخلُص إلا بالنَّار! ونار حبّك هي التي هذَّبتني!
إلهي.. لقد شغلتَ فكري، مذ كنتُ طفلاً، فقلبي ينبضُ حين يراك، ولا أكادُ أغفل عنك لأنَّك في كلِّ شيء! كلّما نصبتُ صاروخاً، وعرفتُ أنَّ اليد التي أعمل بها ليست لي، بكيتُ، ثم ضحكتُ لأنِّي تذكرتُ أنَّ عيني التي بكيتُ بها لا تبكي إلا لك! فمنكَ إليك! يا دائرة الحبِّ التي لا تنتهي!

* علامَ أخاف؟
إلهي.. إنَّ حبي لك، نتيجةُ ألف فكرةٍ وعاطفةٍ خفقت بقلبي، وكذا حبِّي لزوجتي وطفلتي، ولكن! ويا للعجب، عندما أقفُ ههنا بين الدُّخان، لا أعود أرى غيرك، ولا ينتفضُ دمي إلا بذكرك! إلى أيّ حدٍّ أنت في دمي؟ وإلى أيّ مدىً أغرقُ فيك؟ وأتذكَّرُ أحياناً طفلتي فأضحكُ لأنِّي وضعتها بين يديك، فعلامَ أخاف؟ فمن يطعمني في الجبهة سيطعمها! وهل سيتركني حبيبي أُشغل بالي بغيره؟
خذ يا إلهي من قلبي ما تشاء من حبّ الولد، لأني عندما أعود إليهم، سأعانقهم شوقاً إليك! فما ألذَّ ما تفعل بي!

* كيف أرضى؟
إلهي.. إنَّ قدميَّ تعوَّدتا الوقوفَ على الصُّخور، وعينيَّ تآلفتا وظلمة الليل، وقلبي تدرَّبَ طويلاً على أن يخفقَ بصمتٍ! ورأيت بأمِّ عيني أصدقائي يمشون إليك، ويسقطون كثوبٍ ألقته ريحٌ عابرةٌ.. ورأيتهم يبتسمون خجلاً منك، وحباً لك! فلا تجعلني أُصاب بأمراض البعد عنك، وعدوى العيون التي تخدع، والألسنة التي تجامل، والخناجر التي تؤذي فقرات الظهر.
فكيف أرضى أن يعرفني الناسُ وأجهلك أنت؟
أعطِ يا إلهي قلبي القوةَ لكي يبقى متوجِّهاً إليك، وأبعدني عن شرِّ الناس، فإنِّي لا طاقة بي على خسرانك!

* مُنَّ عليّ..
إلهي.. وقفتُ الليلة على رأس جبلٍ، فرأيت لبنان كلَّه، قراه ومدنه، يحني ظهرَ الخضوع لك، ويبكي على الأرض ينابيعَ وأنهاراً، فعرفتُ كم ذا يعاني، ولمست بيدي ألمه، فاحترقتُ.
ونظرتُ إلى الورود الحمراء التي تركها أصحابي، فرأيتها تميل مع النسيم، وتنشد سورة الليل وترتل سورة الحديد، فأحزنني مشهدُ الورود وألمُ الوطن.
كيف أوقظُ أهل الغفلة؟ كيف أصرخ فيهم من خلْفِ الجبهة؟ كيف أحكي لهم قصصَ الورودِ الحمراء، قصةً قصةً؟ ومتى سيخرج كل هذا الحبِّ الذي خزَّنْتَه في وجودي ليعلم الكلُّ أنِّي شربتُ هذا الحبَّ من أرض الوطن؟
مُنَّ عليّ يا الله، حتى لو كنتُ يوماً ما أرقد في سرير الغيب، أن أرى الوطن يسجد كلُّه لك، وأنهاره تضحك، وشاطئه يسبح، وناسه يقرأون بين الصخور قصة الورود الحمراء!

* علّمني صلاة الحقّ!
إلهي.. جلستُ البارحة أقرأ في كتاب روح الله، أتعلم كيف أصلِّي صلاتي، فتفاجأت بأني لم أتجاوز سورة الفاتحة، وقلبي لم ينطق بحقيقة التكبير، وظهري كلما ركعت آلمني، وجبهتي لم تشتهِ إلى الآن مذاقَ تربةِ العشق.. كيف؟
بعد عشرين عاماً من الوقوف في الجبهة، وبعد أن أحرقتُ كلَّ عرقٍ نَبَتَ بيني وبين المدينة والإسفلت، لا أعرفُ كيف أصلي صلاة روح الله.
من أين أتى الوهن؟ وكيف أصابني العطبُ؟
فكَّرْتُ كثيراً، وعلمتُ أنَّ الأرض ستلفظني، وأنّ السّماء لن تفتح لي بوّابةَ الهجرة، ما دامت بقعة عشقٍ قديمةٍ في فلسطين يحيط بها الكلاب وتعبث فيها الأفاعي...
إلهي، علّمني صلاة الحقّ! ودعاء الطّهر! وحقيقة الاستجابة، فإنّي أرفض أن أموت وصلاتي لمّا تكتمل بعد! وهجرتي الخمينيّة لمّا تبدأ بعد!

* سأبقى معك..
إلهي.. أخطأتُ كثيراً حينما ألححتُ بالرحيل، بأن تقتلعني من تربة نفسي، وأرضِ هواي، معتقداً أنَّ هناك أجمل من ههنا.
وأنَّ هناك أكثر أمناً من ههنا، وألطف، وآنس.
أيّ جريمةٍ ارتكبتُها بتفكيري هذا؟ أبعْدَ كلِّ هذه السَّنوات تحت ظلّ وجودك أتفوَّه بهذا الكلام؟!
وأمَّا الآن، فأنا أعلمُ علم اليقين أنَّه لا فرق بين وجودي هنا ووجودي هناك.. لأنَّني متَّصلٌ بك، أشعر بوجودك، لا أخاف من شيء، لأنَّك قوَّتي!
ولا أبرد لأنَّك دفئي، ونظرتك تلهبني بالخجل!
ولا أظمأ، لأنَّ حبَّك شربي!
ولو أني أعيش في قفص التراب، إلّا أنَّ عيني قد جالت في جنَّتك ونارك، ورأت الدُّنيا والآخرة، فعلمتُ أن الشيء الوحيد الذي يجمع بين هذه وتلك هو أنت وحدك! فماذا أطلب غيرك؟
ولو حرمتني الشَّهادة، فلن آلو، لأنِّي سأظلّ معك.
ولو قطَّعتني إرباً، فلن أفرح، لأنِّي سأبقى معك! حيٌّ إلى الأبد، قلبي سيبقى معك! فهل يخاف من الموت، مَنْ هو حيٌّ على كل تقدير!

* إلهي..
هذا هو سرِّي، بُحتُ به إليك، وخبَّأته بين أوراق الزيتون وحبَّات المطر، فإنْ متُّ: أخبرِ النَّاس كلّ النّاس، كيف كان يعيش حبيبك مذهولاً بك، مدهوشاً بما تفعله، متفاجئاً بكلِّ شيءٍ من أثرك، وكلُّ شيءٍ أثرك! خذ منّي ما تشاء، من دون حدود، ولكن أعطني نفسَك!
إلهي، حبيبُك يناجيك، فأجِبْ حبيبَكْ!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع