قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

شهيد الدفاع عن المقدسات: إبراهيم جودات قانصوه

نسرين إدريس قازان


شهيد الدفاع عن المقدسات: إبراهيم جودات قانصوه (حمزة مظلوم)
اسم الأم:
إنعام حطيط
محل الولادة وتاريخها: الدوير 6/2/1994
الوضع العائلي: عازب
رقم السجل : 164
محل الاستشهاد وتاريخه: دفاعاً عن المقدسات بتاريخ 4/4/2013

يومها اختلطَ صوت النحيب بالزغاريد... لم يفهم إبراهيم ابن السنتين الواقف خلف الباب ينظر بدهشة إلى ذلك المشهد ماذا يجري، ولكن أدرك لاحقاً أن "أُذينة"(1) أخاه لأبيه لن يرجع إلى المنزل، وقد قام برحلته الأخيرة في عملية عسكريّة ضد العدوّ الصهيوني، في قلعة الشقيف، واستشهد في طريق العودة. كان أُذينة حينها في العشرين من ربيع عمره..

لم تذبل تلك الأصوات في خاطر إبراهيم، وإن غاب وضوح المشهد خلف ستائر السنوات، فقلبه ذهبَ يتحسّسُ من أثر أخيه ما أنبتَ وردة العشقِ في قلبه فصارت الدنيا أشواكاً تجرحُ وجوده..

*وجوده صار الحياة

إبراهيم كان قد تعرّض للموت قبل أن يولد، فقد طلبَ الطبيب من أمّه إجهاضه، لأن بقاءه في رحِمها يعرّضها للموت، فرفضت. فالجنين الذي جاور قلبها وتعلّق بحبال نبضها، صار الحياة. وكأنَّما الموت إذا أدرك أحدهما أدرك الآخر. فوضعتْه وفيه نفسٌ أخير، وانتظرت أن تسمع صرخته الأولى عند باب العناية المشددة، وأن تعيد يد العناية الإلهية حبيب قلبها، فإذا ما حانت تلك اللحظة أخذته لتتنشق من أنفاسه ما يبقيها على قيد الحياة. ربما لهذا السبب، حينما عادوا به إليها بعد تسعة عشر عاماً مضرجاً بدمائه لتحضنه آخر مرة في حياتها، صرختْ صرخةً أنّت لها الجدران حتى قال أحدهم: "احفروا لها قبراً قرب قبره، فقد لا تقوم عنه إلا وقد فاضت روحها"، ولكن الأم رفعتْ رأسها عن وجه حبيبها وأصرّت أن تكشف وجهه وهو في الكفن، عساها تملّي ناظريها من جماله، وتُبحر في رحلة ذكرياتها الجميلة مع ولدها البكر الذي أضاء عمرها بضحكته الجميلة التي لم تأفل يوماً، وصمتها يعيد: "ما رأيتُ إلا جميلاً.." أوليس هذا ما قالته السيدة زينب عليها السلام التي استشهد إبراهيم على أعتابها؟!

*طفولة مزيّنة بالصمت

إبراهيم الذي فقد والدهُ وهو في الحاديةَ عشرة من عمره، لم يركن إلى مرارة اليُتم التي لم يغادر طعمها كيانه، وقد رأى أمه تكدُّ وتعمل لإعالة أيتامها الخمسة، فما كان منه إلا أن حمل معها هذا العبء، وشاركها في مسؤولية المنزل إلى جانب متابعة دراسته. ومنذ تلك اللحظات غاب عن أزقة قرية الدوير طيفُ طفلٍ كان بالأمس القريب يركضُ ضاحكاً وهو يلعب، ليحل مكانه ظلُّ فتىً عصفتْ به الهموم، وكانت أمه قد اتخذته خليلاً تبث إليه شكواها، فيخفف عنها ويسامرها، يشاركها صغير المشاكل وكبيرها، فقد رأت فيه على صغر سنه ناصحاً حكيماً، تعتمد عليه في الاهتمام بإخوته.

حرص إبراهيم وإخوته على الجلوس يومياً بعد عودتهم من المدرسة حول أمهم، يتداولون بما جرى معهم خلال اليوم فيضحكون حيناً ويسكتون غصّةً أحياناً أخرى. ولكن إبراهيم كان أكثرهم صمتاً، فلم يبحْ يوماً في ما يجول في نفسه، حتى خشيت أمه أن يسبّب له هذا الصمت الطويل مشكلةً، فالبوح يخفّف من ألم الفؤاد، ولكنّ إبراهيم لم يستدرج إلى ذلك ولا حتى بالاستفزاز، بل بقيت ابتسامته تختصر ما خفي في قلبه، وكيف لا يكون كذلك وهو منذ صغره يعلمُ حدوده في هذه الحياة الدنيا، التي لا شيء فيها يستحقُّ عناء البكاء إلا البكاء لطلب رضا الله تعالى. فالراحل عن هذه الدنيا ربما لن ينالَ الفوز العظيم إلا إذا كان النجيعُ عطراً لجسده، وكيف له أن يصل إلى ذلك ولمّا يتزوّد بخير الزاد؟

فإبراهيم علمَ أن الروح وحدها هي القادرة على حمل السلاح وليس الجسد الخاوي، وقد ظلّت كلمات أمّه له وهو طفل يلعب مع إخوته لعبة المقاومة والعدو، ويختبئ خلف متاريس من الوسائد: "قم يا إبراهيم، نحن ليس من عادتنا أن نختبئ من العدو.."، تستثير شجاعته، ويقوم من خلف متراسه مجيباً: "أنا لا أخاف من الإسرائيلي، وعندما يدخل أطلق عليه الرصاص".

*سلوك العابرين إلى الجنة

حرص إبراهيم على صلة الرحم وخدمة الناس، ولم تخالط الغبطة قلبه مثلما خالطتها حين كان يتعبُ لأجل الآخرين. أما الحسرةُ الحقيقة فنبتت أولى فروعها في حرب تموز من العام 2006 حينما تمرّد إبراهيم على عمره الصغير، بعدما تركوا منزلهم مرغمين لأنه في دائرة الخطر، وراح يرقبُ أولئك الرجال الأشداء وهم يَهزمون أعتى قوّة في المنطقة، بقوة إيمانهم، فاستقى من قوافل العابرين إلى الجنّة العِبر.. سَلك مسلكهم، وعبّد طريقه بالمستحبات فضلاً عن الواجبات، واتخذ من ليله زاوية يتعبّد فيها حتى شروق الشمس، فيلقي بنفسه على الفراش، وتحنُّ عليه أمه فتتركه ليعوض ما فاته من الرقاد..

ما إن اشتدَّ عظمه وخطا في عمر الشباب حتى لفّ الغياب وجود إبراهيم، وصارت الأم تجلسُ عند عتبة البيت تارةً وأخرى عند النافذة ترتقبُ ظلاً يحمله إليها الغيب، فإن أطلّ عليها ركضت لتستقبله، وتخفّف عنه تعبه، وكان قلبها القَلِقُ دوماً يحدّثها بصمت، أنّ هذا الغياب إنّما هو تدريب لما هو أعظم، فهل سيأتي يوم تنتظر فيه من لن يرجع؟!

*فداءً لحفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

تسعة عشر عاماً، وكل الأماني تجلّت بين عينيه.. تسعة عشر عاماً سمحت لإبراهيم بالعبور إلى ساحة المعركة المقدسة، المعركة التي برز فيها الحق كله بمواجهة الباطل كله، وصار للغياب لونٌ آخر.. لون يشبه رمال صحراء كربلاء، في الإيثار والتضحية والصبر، وصار موعد عودة إبراهيم من المعركة موعد الحياة، وتأخره كتأخر المطر عن أرض يباس. ولكن، ما هوّن من لوعة الغياب، أن إبراهيم كان يدافعُ عن مقام السيدة زينب عليها السلام في الشام، وقد أبلى بلاءً حسناً كدأب رجال المقاومة في ساحة الوغى.. وقد انتقى إبراهيم لنفسه الاسم الجهادي الذي حمله أخوه "أذينة" من قبله (حمزة)، وما أشبه رجال اليوم بحمزة، وما أشبه أعداءهم بهندٍ آكلة الأكباد.. فقاتل وقتلَ حتى قُتل ونالَ فؤاده ما تمنّى من مجاورة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد بذَل دمه فداءً لحفيدته، عقيلة بني هاشم..

وعاد إبراهيم إلى أمه المنتظرة، التي أبتْ إلا أن تزفّه عريساً إلى مثواه الأخير.. فسلامٌ على إبراهيم..


1- شهيد المقاومة الإسلامية أُذينة جودات قانصوه (حمزة)، مواليد الدوير 1975 استشهد بتاريخ 1995.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع